يتجه البعض مندفعاً في هذه الأوقات إلى تشكيل جسد مؤسسي هروبا من فكرة التجاذبات و الاصطفافات الحزبية الضيقة، ويدافع البعض عن فكرة إقامته لمثل هذه التشكيلات أو التجمعات (المستقلة) بسبب فشل الحكومات المؤتلفة من طيف حزبي واحد في إدارة شئون البلاد.
ويرسل عدداً كبيراً - تجاوز المئات- من المستقلين سيرتهم الذاتية على أرشيف الرئيس أو لشخصيات مقربة منه، أو لها كلمة في عملية اختيار الوزراء من اجل الفوز بالمنصب. وتجد هذا المستقل يستيقظ فجأة وينشط ويبدأ بنشر مقالاته وتصريحاته بأي وسيلة- مستعينا بصورة شخصية له تعود لعشر سنوات مضت- يسابق الريح والوقت من اجل إثبات بأنه مجتهد وله تأثير وقلم ورأي. غير واعياً لخطورة الأمر ومستقبل الحكومة التي ستكون حكومة إنقاذ وتحت مجهر الشعب،، ظاناً أن الأمر مجرد ظهور بربطة عنق أنيقة أمام الشاشات مع استعراض لمهارات الحوار واللياقة واللباقة.
إن مبررات و دفوع أولئك، التي يؤسسوا تكتلاتهم تلك عليها قد تقنع عامة الناس، و الفئات المطحونة التي أعياها شظف العيش وعسر الحال عن التفكير العميق والنظر بعين الواقعية. ولكن بنظرة أعمق، إن اندفاع البعض من هذه الفئة للتهافت على الوزارة سوف يسيء لصورتهم، ووصول البعض منهم سوف يجعله أيضا واقعا لا محالة تحت تأثير الحزبين الكبيرين، وستكون المهمة صعبة بسبب وقوعهم بين عنصر عدم الكفاية المعرفية والخبرة وبين عنصر التأثير المباشر من الحزبين الكبيرين. فلا آمال كبيرة تعقد على المستقلين في ظل تلك الظروف، والمتنطعين بذريعة فشل السابقين سيقعون بنفس التهمة سريعا.
فالمستقلين - برغم عدم استقلاليتهم المزعومة ، أو ساعدتهم قدرتهم المالية لتسويق أنفسهم - يريدون فرصة للمشاركة السياسية وهذا حقهم، ولكن إقصاء الحزبين الكبيرين – فتح وحماس- فكرة غير واقعية وغير صحيحة، ففتح حكمت منفردة منذ أوسلو – السلطة المطلقة مفسدة مطلقة- وغابت وسائل المحاسبة والمساءلة ومعاقبة المسيء والمخطئ والمستغل للمال العام. وحماس حكمت في ظل حصار شديد وظروف تآمر لإسقاطها وإفشالها بعوامل دولية وإقليمية ومحلية متشابكة. إضافة إلى أنها أيضا حكم الحزب الواحد.
فظروف الحزبين لم تكن طبيعية، وأي ظروف مستقبلية تجمع الحزبين تحت حكم واحد سيكون أفضل مما سبق، وبالإمكان الاستعانة بوزراء سابقين من الحزبين اثبتوا جدارة واقتدار من حماس، وأيضا من فتح هناك وزراء حافظوا على الثوابت وقدموا الكثير، فيمكن الاستعانة بهم، او الاستعانة بوجوه جديدة من الحزبين بنسب بسيطة، واستثناء الذين اثبتوا فشل كبير ومعارضة شعبية لهم اكبر. ومن لم يقدم شيئاً من قبل، لن يقدم شيئاً من بعد.
هؤلاء المستقلون يمكنهم تأسيس تجمعات وتكتلات بمسميات أخرى موازية، تعمل باستقلال ومهنية من اجل تقديم ما يستطيعونه للمجتمع، بحيث يدخل هذه التجمعات شخصيات من فتح وحماس وجميع الفصائل، أي لا تكون فقط بديلا، لان المجتمع الفلسطيني في غالبيته العظمى لن يستطيع أن يخرج من شرنقة التحزب والانتماء للفصائل التي شكلت وعاء وطني، وشكلت مصدر دخل، وشكلت غطاء من دون الدولة non- state actors.
ولا شك أن ظاهرة الحزبية الضيقة هذه ظاهرة متأخرة عن فكرة الدولة ذات المؤسسات والنقابات والعمل تحت مظلة القانون والنظام, (تلك الدولة التي ينشدها جان جاك روسو)، تحت نظام سياسي واحد. ولكنها ظاهرة ولدت في ظروف استثنائية في ظل التصدي للاحتلال الإسرائيلي. وبالتالي يجب الانتقال بالتدرج من هذا الواقع إلى واقع الدولة المؤسساتية مع مراعاة خصوصية المحافظة الدائمة على مبدأ المقاومة.
ولا شك بان الغائب الوحيد في تلك الأحداث وصناعتها هو الشعب الفلسطيني نفسه، فهو لا يزال ليس له تأثير كبير في تقرير مصيره واختيار قادته، فالقادة لا يزالوا يفرضون فرض على الشعب، والشعب لا يملك إلا سلطة الدعاء والمشاهدة والانتظار. وهذا ما يجب أن يتغير.
