في ظل استبشار الفلسطينيين بأنباء المصالحة بين فتح وحماس، بقي العديد من الأسئلة تبحث عن إجابات، حتى أن اتفاق المصالحة النهائي الذي وقّع عليه القادة الفلسطينيّون خلا من القضيّة الخلافيّة الأكبر وهي سلاح كتائب القسّام، انطلاقاً من رغبتهما بعدم وضعها عائقاً في طريق إنجاز المصالحة، واتفقا على تجاوزها خشية تفجير المباحثات.
الحديث يتناول كتائب القسام، الجناح المسلح لحماس، الذي تأسس عام 1992، وتقول تقديرات: إن عدد مقاتليها يناهز الـ20 ألفاً، وخاضت مع (إسرائيل) مواجهات عسكرية أخطرها عامي 2008، 2012.
وربما ما يزيد في تعقيد الحديث عن هذا الموضوع، أن هناك 25 ألفاً من موظفي الحكومة التي تقودها حماس يعملون بالأجهزة الأمنية، وغالبيتهم الساحقة من كتائب القسام، ومرجعيتهم التنظيمية لقائدهم العسكري في الكتائب، وليس مسؤولهم الإداري في وزارة الداخلية في الحكومة القادمة.
علماً بأن من تحديات نجاح المصالحة إعلان الرئيس عباس أن السلطة تعني سلاحاً واحداً، وعلى حماس أن تضع سلاحها بيد السلطة، بينما تعتبر حماس أن طلب التنازل عن هذا السلاح من المحرمات المحظورة، وقد علم أن اتفاق حماس وفتح على تأجيل البحث في ملف سلاح القسام، لم يمنع حماس من بحث الموضوع الحساس في الأيام الأخيرة، مع تخوفها من الإعلان عن هذا السلاح بعد تشكيل الحكومة القادمة باعتباره خارج المؤسسة الأمنية الرسمية.
كما زادت مخاوف حماس في ضوء مواقف عباس الذي شدد بأكثر من مناسبة على عدم شرعية أي سلاح آخر مهما حمل من أسماء ومسميات، في إشارة لكتائب القسام، مما دفع القيادي في حماس محمود الزهار للإعلان أن المصالحة لن تؤدي لخضوع مسلحي القسام لسيطرة عباس.
أوساط حماس والقسام تؤكد أن فكرة حل كتائب القسام غير واردة إطلاقاً، والمطالبون بها "يهذون"، فالمصالحة لن تكون على حساب الأجنحة العسكرية للمقاومة التي تمثل الجيش الوطني لدولة فلسطين، وعندما يتحدث أحد بهذا المنطق فهو خارج السياق الوطني، لأن تسليم سلاح القسام يدخل في حكم المستحيلات، وهو ليس موضع نقاش.
مع العلم أن هناك توجهاً يتم الحديث به بصوت منخفض داخل أروقة السلطة الفلسطينية بحل جميع الأجنحة المسلحة العاملة بغزة، بما فيها كتائب القسام، والاكتفاء بقوات الأمن الوطني كجيش لكل الفلسطينيين، على غرار ما هو سائد في الضفة الغربية، وحصر حمل السلاح بيد الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة.
لكن حماس ترفض الحديث عن هذا الأمر، وتصر على إبقاء كتائب القسام قوة عسكرية ضاربة، وأعلنت أكثر من مرة رفضها المطلق لأي محاولة تهدف لحلها، أو دمجها بأجهزة الأمن التابعة للسلطة، وجاء على لسان ناطقيها أن من يفكر بشطب كتائب القسام سيشطب من صفحات التاريخ.
لسان حال حماس في مثل هذه التسريبات أن كتائب القسام أنشئت لمواجهة (إسرائيل)، وستبقى تسخر قدراتها العسكرية لذات الهدف، وانضمامها لأجهزة أمن السلطة الفلسطينية غير مطروح، لأن وظيفتها الأساسية الدفاع عن الشعب الفلسطيني، وسلاح المقاومة هو الأكثر شرعية، ولا يمكن لأحد أن يمسه، حتى لو تحت عنوان المصالحة، وإن قناعة كتائب القسام بصوابية موقف القيادة السياسية لحماس، لا يلغي حقيقة اتفاقنا أن اقتراب السلطة من سلاح القسام بعد المصالحة كفيل بتخريب جهود المصالحة.
ولذلك من المتوقع أن الكتائب الممثلة في المكتب السياسي، أعلى سلطة تنظيمية في حماس، تضع فيتو على أي مصالحة تتضمن المساومة على سلاحها، في ظل تجربتها القاسية مع السلطة في سنوات التسعينات، حين تم تجريدها من سلاحها، واعتقل المئات من عناصرها، وهي لن توافق على تمرير مصالحة تجعلها تضحي بالسلاح الذي جمعته بكل الطرق، ومنح حماس قدرة ردعية أمام (إسرائيل).
لكن ذلك لا يلغي فرضية استنساخ نموذج سلاح حزب الله في لبنان، بجانب الجيش الوطني، ليتكرر مع الكتائب في غزة، والبحث عن أي صيغة تحافظ على ما تم الاتفاق عليه، دون أن تتضمن أي منها الاقتراب من نزع السلاح، أو دمجه في الأجهزة الأمنية، وإلا فلن يتحقق النجاح للمصالحة، وهناك توافق كامل داخل حماس حول هذا الموقف.


