مثلت أرضنا المباركة فلسطين حلمًا كبيرًا للصهاينة بهدف السيطرة عليها، وتهجير وطرد أهلها الأصليين منها، وهذا ما فعل على الأرض، ففي نكبة عام 1948م هجر الاحتلال أكثر من 800 ألف فلسطيني، ودمر نحو 531 قرية ومدينة و11 حيًّا، ونفذت العصابات الصهيونية خلال النكبة العشرات من المجازر في القرى الفلسطينية؛ بهدف تهجير الفلسطينيين منها ليحتلها الصهاينة وتصبح لهم وطنًا قوميًّا.
وظل الصهاينة يرددون شعار: "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، ويعملون على تحقيقه، فبدؤوا يرسمون الخطط الخبيثة للسيطرة على أرض فلسطين، في إطار سعيهم الدؤوب منذ المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة (بال) السويسرية عام 1879م للحصول على وثيقة ضمان دولية من الإمبراطورية العثمانية، تمنحهم أرض فلسطين وطنًا قوميًّا لهم.
وقد ظهرت أفكار وكتابات يهودية تدعو للهجرة إلى أرض فلسطين منذ الحملة الفرنسية على بلاد الشرق عام 1798م، ووصول جيوش نابليون إلى عكا التي هزمتهم بعزيمتها وصمود رجالها المخلصين، وأصدر الصهيوني النمساوي (تيودر هرتسل) عام 1896م كتابًا يدعو إلى إقامة دولة يهودية، ودعا مؤسس الاشتراكية الصهيونية (نحمان سيركن) خلال مؤتمر (بال) الصهيوني إلى "إخلاء فلسطين لليهود".
والمؤتمر الصهيوني الأول عام 1897م الذي حضره المئات من اليهود أقر خطط احتلال أرض فلسطين، ودعا مؤسس الحركة الصهيونية (تيودور هرتسل) إلى البحث عن الوسائل المثمرة التي يجب أن تتخذ للنهوض بالحركة الصهيونية، والعمل على إنشاء قرى ومستعمرات خاصة لليهود تكون حائزة الحقوق العمومية في أرض فلسطين.
مثلت أرض فلسطين بما تتميز به من: خصائص مكانية، وموقع إستراتيجي، وجغرافية وتاريخ، وأهمية دينية أهمية كبيرة لليهود الذين بذلوا جهودًا كبيرة مع سلاطين الإمبراطورية العثمانية؛ للحصول على أرض فلسطين وطنًا قوميًّا لهم، مقابل حل مشاكل الإمبراطورية العثمانية آخر زمانها، ودفع الديون المتراكمة عليها كافة.
والتاريخ يسطر بأحرف من نور رفض السلطان العثماني عبد الحميد الثاني طلب اليهود منحهم أرض فلسطين وطنًا لهم، قائلًا: "انصحوا الدكتور هرتزل بألا يتخذ خطوات جدية في هذا الموضوع؛ فإني لا أستطيع أن أتخلى عن شبر واحد من أرض فلسطين، فهي ليست ملك يميني، بل ملك الأمة الإسلامية، ولقد جاهد شعبي في سبيل هذه الأرض ورواها بدمه"، لكن اليهود واصلوا مخططاتهم الماكرة، وبدأت الهجرات اليهودية إلى أرض فلسطين منذ عام 1878م، وأسسوا المستوطنة اليهودية الأولى على أرض قرية ملبس الفلسطينية، وحملت اسم (بتاح تكفا).
وأذكر هنا ما أورده الصهيوني (تيودر هرتسل) في يومياته، عندما تحدث عن أهمية المؤتمر الصهيوني الأول لدى اليهود، قائلًا: "لو طلب مني تلخيص مؤتمر (بال) في كلمة واحدة _وعليّ أن أحرص على عدم تلفظها بصوت عالٍ_ لكانت هي: "في بال أسست الدولة اليهودية"، ولو قلت بصوتٍ عالٍ لضحك الجميع مني، ولكن ربما بعد خمس سنوات على وجه الاحتمال، وبعد خمسين سنة على وجه التأكيد، سيعلم كل واحد بالأمر "، ومنذ المؤتمر المشؤوم اليهود يخططون للسيطرة على أرض فلسطين إلى أن نفذ ما عرف بالخطط الأربعة لنكبة عام 1948م، ونفذت المخططات العسكرية لإخلاء الأرض، واستقبال المهاجرين اليهود وتسكينهم في أرضنا المباركة.
ذكرى يوم الأرض تبعث في النفوس الكثير من الشجون، والآلام، والحرقة على أرض فلسطين التي تضيع يومًا بعد يوم، وما زاد مأساتنا التنازلات اليومية التي تقدمها جماعة (أوسلو)، واللقاءات المتواصلة من أجل تحقيق المشاريع الأمريكية الصهيونية، وتنفيذ خطط تبادل الأراضي، وخطة الإطار الصهيونية التي تقوم بالأساس على الاعتراف بـ(إسرائيل) دولة يهودية، وتبادل الأراضي، وتهجير فلسطينيي عام 1948م إلى الدولة الفلسطينية الجديدة.
ذكرى يوم الأرض التي ثارت فيها الجماهير الفلسطينية في 30/3/1976م على مخططات الصهاينة، للاستيلاء على 60% من أراضي الجليل، وتقليل نسبة الفلسطينيين فيها مأساة تتكرر معنا باستمرار، فقد ظهر حديثًا مخطط (برافر) الصهيوني للسيطرة على النقب المحتل، وهو مشروع خطير جدًّا ومن أكثر المشاريع الصهيونية خطورة في تاريخ فلسطين، إذ قدم الاحتلال خطة مشروع (بيجين برافر)؛ بهدف الاستيلاء وفرض السيطرة على أكثر من (850000) دونم من أراضي النقب المحتل، وهذا مشروع ينفذه الصهاينة بصمت كبير؛ حتى لا يثور الفلسطينيون عليهم ويقفوا في وجهه، في حين يواصل الاحتلال بناء آلاف الوحدات الاستيطانية في القدس والضفة المحتلة، وتجهيزها لاستقبال المهاجرين الصهاينة الجدد وإسكانهم فيها.
على مدار سنوات احتلال أرض فلسطين لم يهدأ اليهود في السيطرة على المزيد من الأراضي الفلسطينية، خلال المشاريع الاستيطانية في القدس المحتلة والضفة، ومشاريع التطوير في الأراضي المحتلة عام 1948م، وذلك في إطار تنفيذ المخططات الصهيونية للاستيلاء على أرض فلسطين، والاستئثار بخيراتها وثروتها إلى أن ينتهي بهم الأمر إلى هدم المسجد الأقصى المبارك، وإقامة الهيكل المزعوم.


