الخميس 15 يناير 2026 الساعة 06:30 م

مقالات وآراء

الإمام الياسين.. روعة في الفكر والبناء

حجم الخط
غسان الشامي

في خلجات الأنفس، وومضات العقول، كلمات وعبارات كثيرة في حضرة إمام المجاهدين الشيخ أحمد ياسين.. في حضرة الذكرى السنوية لاستشهاده تتجدد العزيمة والهمّة والعطاء الجهادي والفكري والثوري.. هذا الشيخ القعيد صاحب الهمّ الكبير, ذكراه منارة ووقود لمعركة التحرير.. هذا المحارب العتيد أصبح لعنة تطارد العدو الصهيوني في كل مكان، فقد كان الرقم الصعب والرمزية التاريخية في معادلة الصراع الطويل على أرض فلسطين مع العدو الصهيوني.

 

ياصاحب الهمة العالية الغراء.. يا أيها الشيخ الجليل.. لقد أشعرتنا بالخجل الكبير أمام العزيمة والنفس الطويل.. يا مُحطم قيد الزنازين وجدران السجون.. يا من كان سجنه سياحة وفخارًا .. فقد عَلّمت الأسرى مَعنى الحَياة خلف القضبان, وزرعت روح الهمة العالية في نفوس الشباب.. زرعت الحب والأمل من أجل نصرة دين الله والسير قدمًا نحو التحرير وإقامة دولتنا العتيدة على أرض فلسطين.

 

لقد كان الهم الأكبر للإمام الياسين قبل تأسيس حركة المقاومة الإسلامية حماس حيازة السلاح لتحرير أرض فلسطين.. كيف لا وهو القائد العام للإخوان في القطاع، وفكره العسكري هذا يأتي امتدادًا لفكر المرشد العام الإمام حسن البنا, الذي جهز جماعات عسكرية لقتال اليهود على أرض غزة في عام 1948م، كما يأتي فكر الإمام الياسين امتدادًا لفكر الشيخ الكبير المفكر سيد قطب في العمل الجهادي العسكري..

 

لقد زرع الإمام الشيخ ياسين حب العمل العسكري وحب الجهاد في نفوس الشباب والشيوخ والأطفال وحتى النساء، ليؤكد على حرصه الكبير على تحقيق الهدف وتحرير فلسطين، وأن المقاومة هي الطريق الوحيد لتحرير أرضنا من دنس المحتل الغاشم .

 

لقد كانت حياة الإمام الياسين محطات من العمل العسكري والتربوي والدعوي والاجتماعي والرياضي والتطوعي، وأنار الطريق في نفوس الرجال نحو العمل والتضحية والعطاء والبناء، ولم يعرف جفنه النوم، فقد حارب بالبندقية والدعوة والتربية والفكر الرشيد.

 

الإمام ياسين علّم الرجال معنى صناعة الحياة وقيادة الأمة وكتابة التاريخ بأحرف من نور، فقد قال في شهادته على العصر: "إننا حركة إسلامية، والواقع يحتاج إلى مقاومة وبذل وجهد ضد العدو..".

 

وأذكرُ في هذا المقال صفحات تاريخية سجلها التاريخ الفلسطيني بأحرف من ذهب، فقد كان للإمام الشيخ ياسين دوره البارز في تشكيل النواة الأولى للعمل العسكري في عام 1983م، فقد تحدث المفكر الدكتور المقادمة عن هذا قائلا: "إن الإمام الشيخ أحمد ياسين أوفد من مارس/آذار عام 1983م الشيخ عبد الرحمن تمراز إلى الأردن للقاء الأستاذ يوسف العظم عضو البرلمان الأردني عن الإخوان المسلمين، وأطلعه على نشاط الحركة في غزة، وأخبره عن بدء الاستعداد والجهاد، كما التقى الشيخ تمراز الأستاذ العظم مرة أخرى في نيسان/أبريل عام 1983م، حيث منحه بعض المال للمساهمة في شراء السلاح، حيث تقرر تشكيل الخلية العسكرية الأولى وتوزيع المهام، فيما كلف الشيخ عبد الرحمن تمراز بمهمة الحصول على السلاح".

 

وفي الخامس عشر من تموز/ يوليو 1984م أقدمت قوات الاحتلال الصهيوني وقوات المخابرات على اعتقال الإمام الياسين من منزله في حي الصبرة، فقد تم تفتيش المنزل ومسجد المجمّع الإسلامي، وبعد التفتيش عُثر على مجموعة كبيرة من الأسلحة منها (22 مسدسًا من أنواع مختلفة، و11 بندقية، ورشاش كارلوستاف، و5 رشاشات من نوع عوزي، وكمية من الذخيرة، وقنبلة، وتم اعتقال الإمام الياسين على الفور".

 

ومن المحطات التاريخية المهمة التي سجلها التاريخ النضالي لشعب فلسطين لحظات تفجير الانتفاضة الشعبية الفلسطينية الأولى عام 1987م، فقد ترأس الإمام الياسين في منزله اجتماعًا مهمًا مساء يوم التاسع من ديسمبر 1987م لمتابعة تطورات الأحداث والمواجهات الجارية بين الشبان وقوات الاحتلال الصهيوني في غزة، كما تم الحديث عن إعلان الانتفاضة الشعبية، وإطلاق حركة المقاومة الإسلامية، وشارك في الاجتماع المهم كل من الشهيد القائد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، والشهيد القائد العام صلاح شحادة، والأستاذ محمد شمعة رحمه الله، والأستاذ عبد الفتاح دخان، والدكتور إبراهيم اليازوري، والمهندس عيسى النشار"، وشكل الاجتماع حدثًا تاريخيًا مهمًا في تاريخ المقاومة الفلسطينية، وتاريخ حركة المقاومة الإسلامية حماس، وتاريخ الانتفاضة الشعبية الأولى، وبعدها اشتعلت جذوة الانتفاضة في شوارع وقرى غزة والضفة والقدس المحتلة وسط مواجهات ضارية مع جنود الاحتلال الصهيوني في كل مكان وفي كل بقعة من أرض فلسطين المحتلة.

 

ما سردتُه في مقالي قليل, وهي وقفات تاريخية مهمة سجلها التاريخ الفلسطيني, فللإمام الياسين الكثير الكثير من الآثار والمواقف الثورية البارزة، ويكفينا فخرًا أن المقاومة الفلسطينية تطورت من الحجر إلى الصاروخ.

 

إمامنا الياسين.. رحلت عنا بجسدك وروحك لكن فكرك باقٍ وزاخر, شيخ المجاهدين.. رَحلت وأنت تُسجل كلماتك بحروف من ذهب وأسطر من نور، ولم تتنازل عن الأرض والثوابت والهوية الفلسطينية, ولم تعترف للكيان الصهيوني بأي حق في أرضنا, وكانت كلماتك "أي اتفاق يتنازل عن الأرض أو القدس أو اللاجئين يعتبر انتحارًا سياسيًا, لأن شعبنا لا يمكن أن يقبل بعدم العودة إلى وطنه, ولا يقبل بالتوطين.. فالوطن لا يباع ولا يشترى ولا يستبدل..".