بصورة غير مسبوقة منذ وقت بعيد، طغى الاتفاق الإيراني مع الغرب على النقاشات الإسرائيلية في الأيام الأخيرة، إذ يعيش الكيان العبري حالة من القلق والتوتر جراء تقارب الغرب عمومًا، والولايات المتحدة خصوصًا مع إيران، خشية أن يكون على حسابه.
وقد سعى الكيان العبري عبر قنواته الدبلوماسية، وأدواته الدعائية لإقناع الدول الغربية والعالم بعدم الوقوع فيما أسماه "شرك هجمة الابتسامات ومعسول الكلام الإيراني"، وهو يعلم أن مهمته لن تكون سهلة بالمرة، لكنه مع ذلك شن حملة إعلامية على إيران، وحذر من التوصل إلى اتفاق متسرع مع الدول الغربية بشأن مشروعها الذري، مستندًا إلى تجربة الغرب مع كوريا الشمالية التي واصلت تطوير مشروعها النووي، حتى بعد التوصل إلى اتفاق معها.
في الوقت نفسه، هناك خيبة أمل إسرائيلية واسعة النطاق؛ لأن مهمة الاحتلال شبه مستحيلة في ظل انبهار الغرب بـ"روحاني" إيران، ما قد يدفعه إلى ما أسماه بعضٌ "أسرلة" الملف الإيراني، وهذا توجه في غاية الخطأ، مع عده "روحاني" "ذئبًا يرتدي لباس خروف"، مجددًا التذكير بأنه يتبع سلسلة تكتيكات في الكذب والخداع، ويستمر بالتقدم نحو هدفه الإستراتيجي بالحصول على قنبلة نووية.
لكن أنصار التقدير المتشائم يرون أن الاحتلال أضاع الفرصة لعدم مهاجمته المنشآت النووية، لكون طهران تجاوزت كل الحدود والقيود، ما يضعه أمام تغيير تاريخي في توازن القوى الإستراتيجي في المنطقة، ويتساءلون: "ليس المهم كيف نمنع القنبلة، بل كيف نمنع إطلاقها، وماذا نصنع في ذلك الوقت؟"، محذرين مما أسموه "الرسائل التصالحية التي ترسلها إيران، وترمي إلى عملية احتيال تقوم على وقف البرنامج النووي في المرحلة المقبلة من الناحية العلنية"، وفي ضوء ذلك يمكن القول: إن الإستراتيجية الإيرانية نجحت، وستحصل على القنبلة النووية.
وهو ما دفع الاحتلال إلى أن يدير حربًا يائسة لوقف ومنع التوصل إلى اتفاق مع طهران، عبر اتصالات "ماراثونيّة" مع وزراء خارجيّة الدول الغربية، لاسيما فرنسا، التي تبنت موقفًا مناصرًا لإسرائيل بصورة غير مسبوقة، وهو ما دفع أحد وزراء الاحتلال إلى الحديث بعيدًا عن اللباقة الدبلوماسية بحق إدارة "أوباما" بقوله: "الولايات المتحدة لم تكن صريحة وصادقة مع (إسرائيل) في عرض حقيقة الموقف عليها؛ لأنّ ما عرض عليها خلال الاتصالات المكثفة الأخيرة يختلف عن جوهر الاتفاق الذي عرض على إيران في جنيف".
في الوقت نفسه، ومع الضجيج الإسرائيلي المتزايد مما يعد صفقة إيرانية أمريكية، هناك أوساط "متعقلة" ترى أنه مادام من الممكن حل القضية النووية الإيرانية بالمفاوضات ينبغي فعل ذلك، كما حصل في صفقة الكيميائي السوري بين موسكو وواشنطن، لكنها تحذر أن تستهلك تلك المفاوضات الوقت دون الخروج بنتائج ملموسة.
ويدرك صنّاع القرار الإسرائيلي المصاعب الإستراتيجية، والعسكرية، السياسية والاقتصادية التي سيجلبها قرار مهاجمة إيران، لأنها تنثر منشآتها النووية في أرجاء الدولة، بعضها في القسم الشرقي، وقد حصنتها ببنائها تحت الأرض، أو في الخنادق المحصنة، وليس لسلاح الجو الإسرائيلي قدرة إستراتيجية حقيقية على قصف أهداف بعيدة لمدة زمنية طويلة في ظل استخدام قدرة التسلح اللازمة لذلك.
ولذلك إن الكيان العبري يعض أصابعه ندمًا لأنه لم "يورط" "أوباما" في حرب مع إيران، ويرى أن إدارة ترددت وتراجعت عن توجيه ضربة خاطفة إلى سوريا ستكون أكثر خوفًا من مغامرة عسكرية ضد قوة إقليمية مثل إيران، في ضوء تحفظاتها من النتائج المتوقعة لهذه العملية خشية تدهور عام في الشرق الأوسط، وأزمة في سوق النفط، وهي ظروف لن تزول في المستقبل القريب، ولذلك يبدو أن واشنطن لن تسارع إلى تنفيذ هجوم على طهران، إلا إذا اقتنعت بأن تأثيرات الهجوم ستكون أقل شدة مما تُقدر اليوم.
ومع سواد الصورة الإسرائيلية في تقارب إيران مع الغرب، رأى الكيان العبري فيه زاوية مضيئة تمثلت بأنه ليس وحده المعارض لذلك، فقد أعلنت دول عربية عديدة _ومنها السعودية_ رفضها هذا التقارب، ووصل الأمر إلى توتر في العلاقات الأمريكية السعودية بسبب إدارة الملف النووي الإيراني.
أخيرًا يعتقد الكيان أن المأزق الذي علقت فيه دول الخليج بشأن إيران عائد إلى أنها تبنت إستراتيجية أمنية قامت على الاعتماد على المظلة العسكرية التي توفرها الولايات المتحدة، في حين تبدي الأخيرة مؤشرات على قرب تركها للمنطقة، لاسيما بعد الانسحاب من العراق، وكأن لسان حال الكيان ودول الخليج في تقاربهما أمام إيران: عدو عدوي صديقي.


