الجمعة 13 فبراير 2026 الساعة 06:37 م

مقالات وآراء

حصاد الخيبة

حجم الخط
د.ديمة طارق طهبوب

يحق للدولة في خطاباتها الرسمية أن تفخر بإنجازاتها في تجاوز ما أسمته بالسنوات الخطيرة الثلاثة الماضية التي عبرتها بسلام على حد تعبيرها لدرجة أن الأردن أصبح مستشارا وعضوا في لجان الدول العربية ومخططاتها لتجاوز ما يعرف بالربيع العربي، وبقدر ما يشهد هذا على كفاءة أجهزة الدولة بمقاييس الاستبداد وكتم الحريات والتضييق بقدر ما يشهد للشعب أيضا أنه من دون الشعوب العربية عابر للثورات وعابر فوق التحولات وقد اكتسب مناعة دائمة ضد التغيير سوى للأسوأ بمزيد من التركيع والتدجين للنخب والعامة على حد سواء!

 

لم تسر رياح الربيع العربي بما تشتهي سفن الشعوب تماما، ولكن معظم الشعوب اكتسبت شرف المحاولة وأحدثت التغييرات في تونس ومصر وليبيا واليمن نقلة نوعية في فكر وممارسات الشعوب ونقلتها من حالة التلقي والتظلم والشكوى الى حالة الفعل والمبادرة وكسر حاجز الخوف

 

الا أن الحالة الأردنية كانت بالفعل حالة فريدة ليس كما تمنينا في انتاج نسخة محسنة ونموذج راشد من الحراك السلمي القادر على التغيير بالضغط الشعبي دون إيراق قطرة دم، ولكن في المسخ أو الفأر الذي ولدته الدولة الذي تمثل في إصلاحات ديكورية لذر الرماد في العيون دون انجاز حقيقي ومع اجراءات غير شعبية متكررة استهدفت قوت المواطن لم تلق ردا من الشعب فاستمرأت في الزيادة، وحملة علاقات عامة لتحسين الصورة في الغرب واستغلال مخاوفهم الأمنية على اسرائيل اذا حدث تغيير في المنطقة، واللعب على مخاوف العرب الأثرياء بزوال ملكهم وما يمكن أن نقدمه لهم من دعم واسناد، وكذلك لم تكن نسخة الحراك أفضل فلم تعدو مشاكسة متواضعة وخجولة للحكومة من حين لآخر كان أقصى تعامل الدولة معها هو زيادة عدد الجيش والشرطة والآليات التي ترافق النشاطات، واعتقال بعض الفاعلين في الحراك من الشباب، أو اطلاق يد المخربين المأجورين على الحراكيين، وما عدا ذلك لم تكن هناك أي خطوات جدية تنعكس على برامج الحكومة أو إرادة الدولة في احداث تغيير حقيقي، وما تشكيلة مجلس الأعيان الأخيرة الا مزيد تأكيد أن الثلاث سنوات الماضية أفهمت الدولة طبيعة الشعب بعمومه والمعارضة والحراك خصوصا وأن أقصى ما يملكونه هو التهويش وأن أول عصا أو التلويح بها كفيل أن يفرق أكبر جمع، فوضعت في بطنها اطمئنانا عريشة بطيخ صيفي من جانب الشعب!

 

لن نصدق أحدا يقول إن المياه ما زالت جارية وأن الحراك الاصلاحي بعافية أو يتعافى من ضربات المحيط العربي والتحولات السلبية في الثورات العربية، فقدْ فَقَدَ الشعب، من تحرك منهم، اهتمامه بسبب الخوف من تكرار سيناريوهات سوريا ومصر وآثر نصف الموت على الموت كله! ففي السابق كانت نشاطات الحراك مستمرة وقد أقظت مضاجع الدولة واستفزت أجهزتها بتتابعها وأحس الشعب أن هناك من يحمي ظهره حتى ولو لم يتحرك، أما الآن فلو شاهد مظاهرة او اعتصاما أصبح يستفسر عن أسبابها وكأننا في الأردن نعيش على كوكب آخر ليس لسكانه نفس تطلعات وطموحات وحاجات الشعوب الأخرى، أو يلقي السباب والشتائم فقد استقر في وعيه أن الأمن والأمان ولو كان مدعوسا على رأسك وتدور كالثور في الساقية ركضا وراء لقمة العيش أفضل حالا من الموت والتشريد وكأن لا حل وسط بين هذا وذاك «فيا طخه يا اكسر مخه»!

 

كان نموذجنا الأردني بائسا ضعيفا لا يقارن بنماذج الدول الأخرى بل لا يجب أن نقول إننا عايشنا أي حالة من الربيع العربي فقد مر الربيع دون أن تتفتح زهور التمكين والحرية للشعب الأردني!

 

نعم هو نفس محبط بقدر الإحباط الذي وصل اليه الحراك حتى كأنه أصبح مرحلة ماضية من التاريخ يجوز الآن أن ندرسها كتجربة مرت وانقضت! وصّلنا الحراك «لنص البير وقطع الحبل فينا» فلا بقيت نفوسنا راضية بالهوان والفساد والاختلال ولا حصلنا مرادنا بالاصلاح والقضاء على الفساد، وأجلسنا في نصف السلم كالمعلقة لا حُسبنا على الشعوب الثائرة المتحررة ولا انحسبنا على الفاسدين المدجنين تحت أجنحة الأنظمة!

 

نحتاج لأمرين: إما معجزة لإعادة الحراك الى زخمه في الساحة الأردنية والى محور اهتمامات وثقة المواطن أو لشجاعة في الاعتراف بالفشل وقراءة الفاتحة على روح الحراك والقعود انتظارا لمزيد من القروش من تخفيضات الحكومة على السلع والمحروقات.

 

مؤلم أن تعرف الشعوب بشجاعتها وتضحياتها وانجازاتها ونعرف نحن بفشلنا وخذلاننا ونضرب مثلا على انكسار إرادة الانسان الحر في وجه الطغيان وهزيمة الحق والحرية في وجه الاستبداد.

وربما يكون جزءا من الحل أن يتنحى الشيوخ والآباء قليلا فهم يتحملون جزءا من اللائمة لعل الشباب الذي يرى مستقبله مرهونا للفساد يحسن صنعا حيث أساء الآخرون ويجبر حيث قصروا.