الأربعاء 31 ديسمبر 2025 الساعة 05:31 ص

مقالات وآراء

غزة والاحتلال ما زالا في طور التسخين بعد

حجم الخط
د. عدنان أبو عامر

يرقب الكثير من صناع القرار والمتابعين في غزة والكيان العبري الحراك العسكري المتواصل على الحدود بين غزة وأراضي الـ(48)، سواء لدى اكتشاف النفق، أو تنفيذ العملية الفدائية، أو تواصل تبادل إطلاق الصواريخ، خاصة بعد زيارة وزير الحرب "موشيه يعالون" إلى المنطقة الحدودية، ضمن جولة للاطلاع على سير العمل في قيادة المنطقة الجنوبية بالجيش، ومتابعة الأوضاع الأمنيّة في محيط القطاع؛ للتأقلم أكثر مع تهديد الأنفاق.

 

في سياق متصل، تقدر الأوساط في الكيان العبري أنّ ما تمر به حركة حماس من ظروف صعبة يحتم على الكيان أن يكون سعيدًا جدًّا؛ بسبب التطورات والمستجدات الأخيرة التي تعصف بالحركة، في ضوء أنّ إيران شبه قاطعة لعلاقاتها بها، ومصر تنفذ عمليات هدم الأنفاق لمنع تهريب الأسلحة من سيناء إلى غزة، وهي المهمّة التي كانت ملقاة على عاتق جيش الاحتلال، في حين أن الأردن لا تسمح لها بافتتاح فرع لها فيها، وقطر التي تزودها بالأموال لا تُقدّم ولا تؤخّر؛ لأنّ معبر رفح مغلق، والاحتلال يضع العراقيل أمام إدخال مواد البناء، وبذلك إنّ الأموال القطريّة لا جدوى منها في هذه الظروف.

 

لكن ما يوصف بالوضع الصعب الذي تعيشه حماس من الداخل والخارج يخشى الاحتلال أن يدفعها إلى العودة لإطلاق الصواريخ؛ بهدف جرّه للرد؛ لإعادة القطاع على أجندة صناع القرار في المنطقة، ووقف المفاوضات بين الاحتلال والسلطة، وتغيير قواعد التهدئة الحاليّة، وربّما تغيير تعامل النظام المصريّ معها.

 

لكن قراءة فاحصة لما يحصل على حدود غزة الشرقية مع أراضي الـ(48) لا يعدو كونه موجة جديدة من "الصواريخ المتقطّعة" بين الجانبَين، مع أن سلاح الجو يسيطر على أجواء قطاع غزّة، وربما نشهد في قادم الأيام سلسلة من تنفيذ دوريات الاحتلال العسكريّة اجتياحات جزئيّة للحدود، تحدث في أغلبها بساعات الليل المتأخّرة وتمتدّ حتى ساعات الصباح الأولى، ثم تنسحب، يحصل خلالها بعض أعمال اقتلاع الأشجار وتجريف الحقول الزراعيّة؛ بحثًا عن مزيد من الأنفاق؛ تحضيرًا لجولة مواجهة مقبلة.

 

ومنذ أن انتهت الحرب الأخيرة سعى جيش الاحتلال فعليًّا إلى إقامة منطقة عازلة شرق غزّة بتوغّل للقوات البريّة مدة زمنيّة محدّدة، وهذه التوغّلات تقتصر على شريط زراعي غير مأهول، دون الذهاب بعيدًا لاحتلال المناطق المأهولة، المسمى "منطقة الحماية"، ومن المفترض فيها قتال القوات المتقدّمة من جيش الاحتلال بالعبوات والكمائن وقذائف (هاون).

 

جيش الاحتلال من جهته لا يبدو مستعجلًا لخوض مواجهة ضارية مع حماس قريبًا، لكنه يحاول التحرش بها؛ لتفجير الأنفاق التي يحفرها مقاتلوها؛ لأن جنوده رأوا أنهم خاضوا في الحربين الأخيرتين ما أسموه "حرب أشباح"، فهم لم يروا مقاتلين بالعين المجرّدة، وسرعان ما يندفع المقاتلون صوبهم من باطن الأرض، "يخرجون لنا من أعماقها، نحن نتحرّك على الأرض، ونشعر بأن في الأسفل مدينة تحت أرضيّة"، هذا ما قالوه.

 

وربما تكرارًا لجولات من "التسخين" السابقة كانت تسبق أي حرب حقيقية ضد غزة تجري بالعادة أن تستغرق عمليّة توغّل الاحتلال شرق غزّة بضع ساعات، تخرج خلالها الدبابات والآليات العسكريّة من مواقعها المنتشرة على حدود القطاع باتجاه النقطة التي تريدها، فتنفّذ عمليّتها العسكريّة ثم تعود للتمركز في أماكنها داخل حدود أراضي الـ(48)، وهو ما يطلق عليه الجيش مصطلح "القتال من الجانب الآخر"، بتعزيز عمليات الاقتحام البرّي دون رغبة في إطالة التموضع داخل أراضي قطاع غزّة، وبهدف تحقيق غايات تكتيكيّة ردعيّة في الوقت نفسه.

 

من جهة غزة، من المهم أن تسعى القوى المقاومة لعدم تصعيد الموقف مع الاحتلال في القطاع، فلا أحد له مصلحة بمواجهة كبيرة، في حين ينشغل الإقليم والعالم بملفات أكبر وأهم من غزة، ما يعني أن الوضع الميداني الذي تعيشه حدود غزّة الشرقية ستبقى هادئة حتى إشعار آخر، مع بعض المناوشات هناك وهناك، محسوبة ومدروسة وموجهة.

 

أخيرًا إن طرفَي أي مواجهة مقبلة: حماس والاحتلال يحاولان الإبقاء على هذا الهدوء أطول مدة زمنيّة ممكنة؛ لأن هذه المنطقة التي تمتدّ على 40 كيلو متر من رفح جنوبًا إلى بيت حانون شمالًا ستشهد اشتعال الصاعق الذي سيفجّر حرب الاحتلال المقبلة على غزّة، التي لن تكون في المدى المنظور في كل الأحوال.