الإثنين 05 يناير 2026 الساعة 05:52 م

مقالات وآراء

السلاحُ الأشدُ فتكاً بالمجتمع... سلاحُ الاحتلال أم سلاحُ وسائل الإعلام؟

حجم الخط
فهمي شراب

ظاهرة التراشق الإعلامي وموجة الإشاعات المسمومة التي تفجرها الوسائل الإعلامية يوميا وخاصة المتحزبة )والمؤطرة (وبشكل غير منقطع ضد بعضها البعض هي اخطر من سقوط دولة تحت الاحتلال المباشر.. حيث إن الشعب وتحت وطأة أي احتلال بغيض مثل الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين قد يكون اخف خطرا من احتلال أدمغة وفكر وسلوك المواطن البسيط وشل قدرة الكاتب والمفكر والباحث عن قول الحقيقة وإيصالها للمواطنين من خلال هجمات وسائل الإعلام المدمرة والتي تصب ما تريد من إيديولوجيات في الفكر والعقل والشعور...

 

إن الاحتلال قد يكون له فوائد جمة مثل توعية المجتمع بالخطر الحقيقي وإظهار العدو الحقيقي والالتفاف حول القادة الوطنيون والانضواء تحت كلمة واحدة وتنمية الشعور بالوطنية وتعزيز الولاء للوطن...

 

فالكثير من المفكرين شكر شارون لأنه وفي فترة ما أو في لحظة ما قد جََمَعَ الأمة وَوَحَدها في موقف على الأقل..

 

وفي فلسطين وخاصة الضفة والقطاع والذي لا يتجاوز عدد السكان فيها الأربع ملايين الكثير من الإذاعات المحلية والذي يعتبرها المواطن المصدر الأول لسماع الأخبار المحلية وحتى الإقليمية والدولية ولكن ما يؤخذ على هذه الوسائل هو التحيز والذي قد يصل إلى درجة التناغم التام بين المادة الإعلامية التي تقدم للمواطنين ومبادئ الحزب أو الحركة والتي لا تقبل القسمة على اثنين, وهذه خطيئة إعلامية تفقد المهنة منهجيتها وأصولها.. وقد درج الإعلام الفلسطيني مؤخرا على تخطيء الأخر وتحييده عن الساحة الفلسطينية وتصنيفه كخارج عن الصف الوطني وقد تصل الاتهامات إلى درجة العمالة والكفر...

 

فمن منطلق أهمية وسائل الإعلام ودورها في استقرار المنطقة أو عدمه, نؤكد بان هذه الوسائل تتحمل كثيرا من الذنب والإثم في إشعال أي فتنة قد تطل برأسها من الآن فصاعدا, ونقول صراحة بان الاقتتال بين حركة فتح وحركة حماس سوف لن يوصلنا إلا لحرب أهلية فعلا لكي يكتمل السيناريو الذي اعد مسبقا في مكاتب البنتاجون والمخابرات الإسرائيلية.. والسؤال الاستراتيجي هو لمصلحة من إشعال الفتن في الوقت الذي نحتاج فيه إلى وحدة وطنية ؟ ما هي النتائج المرجوة من وراء هذه الفتن؟ وألا يستحي من يروج للفتن ويزرع بذورها في أرجاء الوطن؟؟ هل يريد البعض استقدام قوات أممية مثلا كي تفصل بين الحركتين وكأننا في دول مستقلة كاملة السيادة تحتاج إلى عنصر أجنبي ليفض النزاع؟؟؟

 

وقد اخبرني شخص اليوم بأنه فعلا وبكل صدق كان يستمع إلى صوت الأقصى التابع لحماس وقد تعاطف جدا مع ما يسمع وبدا مقتنعا بأنه أصبح يشعر بأنه يجب أن يكون حمساوي لمحاسن الحركة ووطنيتها وعداوتها للخونة السارقين.. وعندما غَيَر المحطة ليستمع لإذاعة صوت الشباب الفتحاوية تغير بنسبة 180 درجة وتبين له بأنه يجب أن يكون فقط فتحاوي ولا يقبل بغير فتح حركة ومبدأ!!!!

حقا إن السلطة الرابعة هي وسائل الإعلام ولكنها عندنا سلطة دون ميثاق ودون دستور ودون قانون, فقانونها هو قانون التحزب الأعمى ومصلحة الحزب وليس بالضرورة المصلحة الوطنية العليا..

 

أنا لا القي اللوم على سلوك هذا المواطن والذي لا يعني بالضرورة أن يكون متعلم ومثقف ويميز بين الطيب والخبيث أو الصالح من الطالح ولكنه ذنب الإعلام المتشدد التأطر والتحزب على حساب شرف المهنة الإعلامية..

 

إن الإعلام جد مهم فالبشرية تتلقى %90 من معارفها عن طريق السمع والبصر، أي عن طريق الإعلام، فإذا انحرف الإعلام: تغذت البشرية بـ %90 من المعارف الفاسدة المضللة. والدرس المستفاد أو العبرة الملتقطة من دور الإعلام في صناعة الكوارث والأزمات هي: التسلح بالوعي الكامل والحذر التام من الطرح الإعلامي

 

فعلى سبيل المثال: لم يستطع الرئيس بوش الابن أن يدخل العراق إلا عندما أوحى لوسائل الإعلام ببث إشاعات كاذبة عن وجود أسلحة دمار شاملة كي تهيئ له الطريق للحرب بهذه المبررات وفعلا خلق رأي عام يؤيد الحرب على العراق بسبب استمرار الآلة الإعلامية في بث ما يسمى بكذبة خطر أسلحة الدمار الشامل وان صدام حسين يهدد امن الولايات المتحدة رغم توجه ما يقارب 13 ألف أستاذ جامعي أكاديمي بالنصيحة للرئيس بوش بعدم جدوى هذه الحرب وعدم وجود أي مبرر وبالتالي عدم الدخول فيها ولكن تلك الفئة المثقفة والأكاديمية وللأسف اصطدمت بصخرة إرادة الحرب القوية وإرادة الرئيس ومن يستفيد معه ماليا من الحرب والتي في النهاية تخدم بالضرورة الأجندة الإسرائيلية الصهيونية...

 

والواضح أن الغرب يتذرع الآن بحجج كاذبة عندما يُتهم بأنه السبب في الضائقة المالية وفي خلق أزمة الرواتب للموظفين الخ... حيث يؤكد على أن الشعب نفسه غير راض عن الحكومة الجديدة وها هو ذا يقتتل فيما بينه بسبب وجود ثنائية حزبية تتقاتل على السلطة واختلاف ايدولوجي بينهم وان الحكومة لا تفي بحاجيات المجتمع.. فالغرب وبإيعاز من الصهيونية العالمية في طريقه للنجاح في تصوير المشهد الفلسطيني للعالم كله بشكل زائف ومغاير للحقيقة إن لم تكف وسائل الإعلام عن سياسة التحريض والتحشيد والتي من المحتمل أن تقود إلى نهاية مؤلمة ونتائج غير محمودة العواقب.....