السبت 27 ديسمبر 2025 الساعة 07:32 م

مقالات وآراء

بهدوء.. أولى خطوات ارتقاء البلد لفظها للمعاتيه!!

حجم الخط
أيمن دلول

المجتمعات البشرية أينما وُجدت، فإن الإنسان يجد من خلال تعامله معها أصنافا مختلفة من البشر، فمنهم: المتزن والمثقف والقائد، ومنهم كذلك المُحب للشهرة والمتسلق والمعتوه، ومن خلال التجربة الشخصية أدركت أن المشاهير في أي مجتمع من المجتمعات، صنفان من الناس، وهم: إما العلماء والمثقفون والمبتكرون ومن دار في ذا الفلك، أو المجانين والمعاتيه والمتسلقون ومن لف في دائرتهم، وغالبية أفراد المجتمع تقع في دائرة ثانية بين الطرفين سابقي الذكر.

 

في بلادنا العربية والإسلامية تحديدا ما إن نتوقف عن متابعة أحد المعاتيه، حتى يطل علينا آخر ربما تأثر بأساليبه، بل وأضاف عليها أمورا أخرى، صحيح أننا نضحك ونحن نتابع منشورات هذه الفئة من الناس، لكن من حيث لا ندري فهذه الشريحة وإن كانت قليلة في مجتمعاتنا، إلا أن مخاطرها كبيرة وبخاصة عندما يصل أحدهم لمراكز مهمة في تلك البلاد تصل لأن يكون رئيسا للبلاد، وأعتقد أن وصولهم لهذه الدرجة إنما بسبب غياب المواجهة لأولئك المعاتيه، بل وتقديمهم للخطاب أمام عامة الناس والتصفيق لهم، وعندما يجد المعتوه التصفيق الحار لكلماته “وقد يكون تصفيقا من باب المُزاح أو السخرية به” فإنه يصدق نفسه ويبدأ بتقمص دور المسئول والقائد والزعيم.

 

بحثت في أصل كلمة “المعتوه” بالقواميس والمعاجم، فوجدت أن معناها: ناقص العقل من غير جنون، ليس في وضع عقليّ سليم، غير مُؤَهَّل عقليًّا “أي لا يجوز إيكال أمور دقيقة إلى معتوه”، وجمعها “معاتيه” أو معتوهون. أما الموسوعة الفقهية فقد عرفت “المعتوه” اصطلاحا بأنه “آفَةٌ تُوجِبُ خَلَلاً فِي الْعَقْل، فَيَصِيرُ صَاحِبُهَا مُخْتَلَطَ الْكَلاَمِ، فَيُشْبِهُ بَعْضُ كَلاَمِهِ كَلاَمَ الْعُقَلاَءِ، وَبَعْضُهُ كَلاَمَ الْمَجَانِينِ”.

 

كثيرا من الحكم والأقوال عثرت عليها وأنا أبحث في هذا الموضوع، الذي بات آفة تهدد كيان مجتمعاتنا العربية والإسلامية وتقدمها وازدهارها والنهوض بحالها لتعود إلى مكانتها التي كانت عليها زمن الحبيب محمد “صلى الله عليه وسلم” وصحابته الكرام، والمعضلة تكمن كما ذكرت سابقا أننا كمسئولين وأفراد نترك “المعاتيه” يسرحون ويمرحون بيننا، نصفق لهم بحرارة، ونمنحهم التراخيص، بل ونُفسح لهم المنابر ليخطبوا ويتحدثوا، هذا على الرغم من معرفتنا المسبقة أنهم معاتيه ولا ينبغي أن يتصدروا المشهد، حتى لا يوصلوا صورة عن بلدهم أو شعبهم بأنه كله كتلة من “المعاتيه” أو المتخلفين الذين لا يستحقون الحياة أو الدولة، وينبغي أن ندرس جيدا ما تذهب إليه الكاتبة والناقدة الإنجليزية “إديث سيتول” حيث تقول: “أنا صبور على الغباء، لكن ليس على من يفاخرون بغبائهم”، والمطلوب منا وقف الأغبياء والمعاتيه عند حدهم ليبقوا يمارس غبائهم لذاتهم، لكن لا ينشروه للمجتمع، حتى لا يتحول غباؤهم بعد فترة لمصطلح “ظاهرة كذا وكذا”، كما نُطلق عليها.

 

بل إن سيدنا علي رضي الله عنه يقول: “إن أغنى الغنى العقل، وأكبر الفقر الحمق، وأوحش الوحشة العجب، وأكرم الكرم حسن الخلق”، وعلينا أن نعتبر من كلام من كان أحد الذين رفعوا لواء بلادنا يوم كانوا قادة للعالم. الحركة مطلوبة والتصرف ينبغي أن يكون عاجلا وبخاصة في مجتمعنا الفلسطيني لمواجهة أي حالة من حالات “العُته” التي يحاول البعض ترويجها، نحن شعب مُحتل وأوضاعه صعبة جدا ولسنا بحاجة لإضاعة الوقت في إقناع “المعاتيه” وطلاب الشهرة بفشل ما يذهبون إليه. إن مهمتنا جميعا ينبغي أن نكرسها في إزالة الاحتلال عن أرضنا، والأكل من إنتاجنا، وتأسيس مصانعنا ومنتجاتنا.

 

وللتأكيد على ما أذهب إليه، فالرئيس الأمريكي السابق “جورج دبليو بوش” تذكر كتب التاريخ أنه قال في أحد كلماته: “أعداؤنا مبتكرون وواسعو الحيلة، ونحن كذلك؛ وهم لا يتوقفون أبدا عن التفكير في طرق جديدة لأذية بلادنا وشعبنا، ونحن كذلك”. إذا كانت أميركا التي تحكم العالم تقول ذلك، فمن باب أولى أن نعمل كمسلمين وعرب على مدار الساعة لخدمة قضايانا الوطنية، والارتقاء بقضايانا يتطلب أن نترك الساحة خالية ومتسعة للعلماء والمثقفين والمبتكرين وننتزع منها “المعاتيه” والمتخلفين حتى لا ينشغلوا بالتفكير في إقناعهم لأمر لن يقتنعوا به.

 

يقول “مالكوم إكس” الداعية الإسلامي والمدافع عن حقوق الإنسان، وهو أمريكي من أصل إفريقي: “وسائل الإعلام هي الكيان الأقوى على وجه الأرض. لديهم القدرة على جعل الأبرياء مذنبين وجعل المذنبين أبرياء، وهذه هي القوة؛ لأنها تتحكم في عقول الجماهير”. ومن هنا فهذا الأمر يدفعني للتأكيد بأن من أخطر “المعاتيه” على المجتمعات الذين يكونون من شريحة “الصحفيين”- مع التقدير لمعظمهم-، لكن مؤخرا ظهر بعض المتسلقين على المهنة في العديد من المجتمعات العربية والفلسطينية، وهو ما يضعنا بضرورة أن نكون أمام مسئوليتنا بحق وعدم ترك المجال واسعا لكل من لم يجد مهنة أن يقول بأنه “صحفي” أو إعلامي”، والكارثة ستكون عندما يكون ذلك الشخص “معتوه” بالكامل.