الإثنين 29 ديسمبر 2025 الساعة 09:19 ص

مقالات وآراء

آفة حارتنا يا نجيب محفوظ ليس النسيان..بل الكذب والفلتان

حجم الخط
فهمي شراب

يردد كثيرا الكاتب نجيب محفوظ في روايته أولاد حارتنا عبارة آفة حارتنا النسيان .. وبرغم مما قيل عن هذه الرواية حيث اتهم صاحبها بالكفر لأنها مثلت الله في شخصية "جبلاوي" وكانت عبارة عن محاكاة لسير الحياة وديناميكيتها .. وعلى العموم ما يلفت انتباهي في الرواية هو أن في كل مرة ينسى المجتمع قواعد النظام والاحترام ويدخل في غياهب الفوضى والتيه عندما تضعف سلطة الدولة أو تنعدم شخصية الحاكم..

 

فيبدأ القوي يظلم الضعيف ويسود نظام قانون الغاب حيث لا أخلاق ولا ضمير حي ولا احترام للفرد وحقوقه ومشاعره وإنسانيته.. وعندما يأتي رجل قوي( فتوة) يفرض سيطرته على (الحارة) الدولة يسود النظام ومبادئ الأخلاق ويستيقظ الضمير .. وهكذا لا يتعلم المجتمع من فكرة ضرورة الحفاظ على النظام والاستقرار وينسى أو يتناسى أهمية حتى الدين.....

 

الآن, آفة الكذب هي السمة الغالبة على شكل المجتمع ..وللأسف ينغمس المجتمع بكل سهولة ويسر في هذا المستنقع الخطير.. حيث توجد عوامل كثيرة تساعد مثل هذه الظاهرة على التغلغل في عمق المجتمع مثل انخفاض المستوى الاقتصادي والثقافي والتفسخ الاجتماعي أو تفتت الأسرة مخلفة وتاركة كثيرا من المظاهر التي تلازم الفرد كالشعور بالفوقية أو الدونية أو وجود النزعة النرجسية أو السادية أو المازوخية ومرض العصاب والبارانويا والتمركز حول الذات self-concentrationوغيرها من المشاكل النفسية والتي تنعكس من خلال سلوك الفرد على واقع المجتمع...

 

وفي نظري اخطر ظاهرة هي ظاهرة الكذب لان المسلم لا يكون كذابا.. وقد يكون أي شيء..

 

ولان ظاهرة الكذب تقضي على شيء اسمه الثقة بين الناس..وتسبب انعدام الأمن والأمان والطمأنينة.. ونرى مظاهر الكذب بكل سهولة عندما نسمع الأب يقول لابنه عندما يأتي احد على الباب للزيارة أو طلب شيء قل له إني غير موجود ويحدث هذا حتى من قبل أشخاص ملتحيين أو قد يكونوا محسوبين على الدين بالغلط...

 

أو يقول احدهم للأخر على الجوال بأنني في الطريق إليك وهو مازال في حقيقة الأمر يقبع في بيته يشرب الشاي أو يتفرج على التليفزيون أو ما شابه.. وأيضا على مستوى اكبر تحدث مثل هذه الحوادث كوعد مدير ما بان يوظف احد الخريجين ويؤمله ويبشره كل شهر أو ثلاثة أو عام حتى تمضي ثلاثة أو أربعة سنين دون تنفيذ الوعد ليقع الخريج ضحية لسياسة التسويف والتي أساسها الكذب.. أو عدم معرفة المدير بقدراته الحقيقية وينطبق الكلام أحيانا حتى على الوزير..أو يخجل المدير أو الوكيل أن يقول لا مع أن كلمة لا تكون ضرورية وواجبة أحيانا في مثل هكذا مواقف من اجل تجنب إحراج اكبر ...

 

ظاهرة الكذب هي ظاهرة خطيرة ومدمرة عمل الاحتلال الإسرائيلي مرارا وتكرارا على تكريسها في المجتمع الفلسطيني لكي يفقد الناس الثقة بالحكومة ومثالنا عندما تغلق المعابر ويتساءل الناس عن موعد فتحها ويكون الطرف الوحيد الذي يعرف متى هو الطرف الإسرائيلي , يلجا هذا الطرف إلى إخبار الجانب الفلسطيني ممثلا في جهاز الارتباط العسكري سابقا أو المخابرات وهي بدورها تقوم بإبلاغ المواطنين بان المعابر سوف تفتح في يوم كذا.. وينتظر المواطنين كثيرا دون أن تفتح المعابر ويلقى في النهاية كل اللوم على السلطة الفلسطينية وتتهم أحيانا بأنها تكذب ويستاء الناس كثيرا ويتذمرون ويحتجون ويفقدون الثقة وحتى المحبة بالسلطة وهذا هدف الاحتلال الإسرائيلي الغاشم بان ينجح في تمريره مثل تلك الأفكار اللعينة0

 

في الممارسات والعادات الغربية يعتبر الكذب من الكبائر حيث لا يفترض في المسئول الكذب وما واجهه الرئيس الأمريكي الأسبق بل كلينتون من إحراج كبير عندما ثبت كذبه هو دليل على اعتبار الكذب شيء كبير حيث فقد الرئيس الثقة ليس بسبب فضيحة مونيكا لوينسكي فقط بل لأنه حلف كذبا بأنه بريء وانو غير مذنب not guiltyأمام الكونجرس الأمريكي.. والحال ينطبق على الرئيس الحالي عندما ظهر كذبه باتهامه النظام العراقي بأنه يملك السلاح النووي أو الكيميائي.. فالأغلبية الآن لا تثق فيه ونسبة الذين فقدوا الثقة فيه بسبب كذبه أكثر من نسبة مؤيدي الحرب على العراق...

 

الكذب حقيقة هو سرقة لأنه يسرق الجهد ويسرق الوقت ويزيد الجفاء والفجوة بين الناس.. فبناء الثقة بين أبناء المجتمع تحتاج إلى وقت طويل لا يجب هدمها في كذبة...

 

واستشهد بمثال جيد من التاريخ الإسلامي حيث فعلا الصدق هو المنجي من أي تهلكة .. ففي زمن سيدنا عمر بن الخطاب قتل احد الأفراد جمل أو ناقة بسهم فجاء صاحب الناقة وقتل هذا الرجل فجيء بالقاتل عند سيدنا عمر وسأله أقتلت الرجل فقال نعم.. فقال له امتاكد انك قتلته؟ فقال نعم قتلته.. فقال إذن نفذوا فيه شرع الله وعندما جاءوا به لينفذوا حد القصاص قال لهم اتاذنوا لي في ثلاثة أيام أسدد ديوني واسوي أموري وأعود لكم فاستغربوا من قوله وقالوا بشرط أن يوجد احد يكفلك فساد جموع المسلمين الصمت المطبق وبعد برهة وقف أبا ذر الغفاري رحمه الله وقال أنا اكفله.. فكفله وعندما أوشكت الثلاث أيام على الانقضاء ساور الشك بعض الناس..

 

وفي الأخير وصل الرجل في الميعاد واخذوا في التحضير لتنفيذ حكم القصاص .. ولكن هنا سال الخليفة عمر الرجل يا رجل كانت هناك فرصة للهرب.. لماذا عدت ؟؟ فقال الرجل عدت كي لا يقال عن العرب بأنهم لا يوفون بالعهد أو يكذبون.. فأثار جوابه اندهاش وإعجاب الحاضرين.. وسألوا أبا ذر لماذا كفلته وأنت تعرف بان الحكم هو القتل ؟؟ فقال أتريدون بان يقال عن العرب أن لا يوجد بينهم رجل شهم أو شجاع؟؟؟

 

فعفا أهل القتيل عن القاتل عند مرأى مثل هذه المواقف النادرة وقالوا نعفو عنه حتى لا يقال عن العرب لا يوجد بينهم من يتسامح...

 

والسؤال الآن : يا هل ترى ماذا يقال عن العرب ؟؟ أو ماذا يقال عن المسلمين؟؟ الإجابة بالطبع لديكم ولديكم فكرة قوية أيضا ...

 

فأين تلك الأخلاق أو أين نصف تلك الأخلاق .. إننا بحاجة ماسة لان نقرا لأجدادنا وان نقرا تاريخنا وان نقرا عن إسلامنا الحنيف وحتى عن العرب القدامى...