موجات الإبصار للضوء المرئي تقع ضمن طيف واسع فكما أن الضوء بحد ذاته يتشكل من طيف ذي سبعة ألوان؛ فإن هذا الطيف يتحد ليشكل الضوء المعروف، وليجلس على درجة من سلم في الوجود له ما قبله وما بعده؛ ففوقه تبدأ الموجات القصيرة ذات التردد المرتفع، بدءاً من الأشعة فوق البنفسجية، مروراً بالأشعة السنية، لتصل إلى أشعة جاما، وتحته نزولاً إلى الأسفل الموجات الطويلة ذات التردد المنخفض، التي تبدأ من الأشعة تحت الحمراء، مروراً بالموجات القصيرة لتصل إلى موجات الرادار والراديو.
وإذا كان الطيف اللوني يتعرج بكل هذا التنوع؛ فإن الصوت الذي نسمعه يشكل أيضاً، مثله مثل الروائح ومذاقات الأطعمة، حقيقة طيفية أيضاً، من حقائق الوجود الكبرى.
وهي هنا مشكلة فلسفية كبرى؛ حيث إن إحساساتنا جعلتنا نقسم الوجود على أساس (الثنائية) وهو غير صحيح، من أمثال البارد والحار، والرطب والجاف، القلوي والحامضي، والوجود في الواقع يقوم على أساس التنوع المتدرج السلمي (فكرة الطيف spectrum)؛ فالبارد لنا هو الذي يكون تحت درجة 37 التي يشعر بها جسمنا، وهو ليس كذلك، حتى إن درجة الصفر لا تعبر عن كل البرودة؛ فهناك البرودة المطلقة وهي درجة كلفن التي تبلغ 273.15 تحت الصفر الذي يجمد فيه الماء، ويتحول إلى ثلج، وترتفع الحرارة لتصل في قلب النجوم التي تتوهج فيها الحرارة لتبلغ حوالي عشرة ملايين درجة، وهي ليست نهاية الحرارة؛ فداخل بطن النجم حيث تستعر الحرارة تصل إلى 2 مليار (2000 مليون) درجة، حتى يتم إنتاج الحديد من العناصر الأخف، بل قد تصل درجة الحرارة إلى 7 مليارات (7000 مليون)، عندما ينعكس تشكل العناصر من الخفيف إلى الثقيل.
كما أن فكرة الحامض والقلوي هي أيضاً نابعة من إحساساتنا المضللة، وهي ليست في الواقع أكثر من تركيز شوارد الأيدروجين في الوسط.
وهكذا، فالأذن البشرية تميز اهتزاز الصوت الذي يتراوح بين 16/ 20000 هزة في الثانية؛ فإذا زاد أو نقص ما سمعناه.
وتبلغ حساسية الأذن درجة أن تميز بين صوت وصوت، فيما لو اختلف بثلاث هزات في الثانية، وبذلك تميز الأذن البشرية ما بين 34 ألف لحن مختلف، وإن المتأمل ليأخذه العجب في تمييز الأذن بين صوت الرجل والمرأة، بين الضحكة والاستغاثة، بين خرير المياه وعنف الشلالات الساقطة، بين تغريد البلابل وهديل الحمام، بين نقيق الضفادع ونهيق الحمير؟! بين صلصلة السلاح ودوي الرعد، بين طلقات الرصاص وصرير الأقلام، بين الأنغام المختلفة والألحان المتفرقة التي تتسلل كنفثة روح في وعاء سفر الحياة.
