الأربعاء 14 يناير 2026 الساعة 10:58 م

مقالات وآراء

سكوت حَ نصور !!

حجم الخط

ما الذي يمكن أن تحمله زيارة الرئيس الأميركي المنتهية ولايته بعد عام فقط من الآن، إلى قضية هي في نظر ما يسمى بالمجتمع الدولي، أقدم صراع و أعقد مشكلة عجزت المنظمة الأممية التي ولدت معها تقريبا، على أن تقدم لها أي شيء خصوصا و أن العصابات الصهيونية دشنت هذا الفشل الدولي منذ أقدمت على اغتيال المندوب الأممي الكونت فولك برنادوت مباشرة بعد إعلان قيام دولة الكيان الغاصب من غير أن تستطيع الأمم المتحدة فعل أي شيء؟
ثم ما الذي في وسع بوش أن يقوله غير تلك العبارات التي درج عليها منذ انقلب فجأة من مشروع رئيس إلى مشروع إمبراطور يفرق العالم إلى محاور و يقسم المواقف السياسية بين طيبين و أشرار؟
لماذا تأخر الرئيس بوش حتى اقتربت إقامته في البيت الأبيض على النفاد فكيف تحرك ضميره هكذا بلا سابق إنذار و قرر لعب دور الحكم بعد أن لبث سنوات طويلة يمارس دور الخصم فهو نفسه الذي وقف إلى الجانب الإسرائيلي حتى صارت مواقفه تتماهى حد التطابق مع مواقف الطرف الإسرائيلي خصوصا و أن هذا الرجل نفسه هو من وقف متفرجا على سيئ الذكر شارون حينما كان هذا الأخير يقصف مبنى المقاطعة فوق رأس الراحل أبو عمار و يصرح علانية أنه يهدف إلى استكمال ما تردد عن فعله في بيروت عام 1982؟ هل لمجرد أن بوش عقد مؤتمرا للسلام في أنابوليس لم يخرج بأي نتيجة قبل أن ينقلب الإسرائيليون أنفسهم عليه فيعملوا الرصاص و الصواريخ و القذائف في ما يسمى مجازا أراضي السلطة الفلسطينية، تقتيلا و حصارا، يحق للبعض أن يتمنى رؤية اختراقات و حدوث المعجزة؟
لنحاول الآن ملاحظة مقدرات كل واحد من هؤلاء الأطراف ثم لنرى إن كان في وسعهم حقا تحقيق أي شيء عدا الصور التذكارية التي تضاف إلى ألبوم طويل من صور اللقاءات التي لم تستفد منها القضية شيئا حتى لا نقول أنها تكاد تخسر بسببها كل شيء.
أول هؤلاء الرئيس بوش و هو بإقرار مقربيه قبل خصومه، واحد من أكثر رؤساء أميركا سوءا و فشلا حتى أنه يعتبر في نظر الكثيرين أسوأ من الرئيس ليندون جونسون الذي ورطهم في حرب فيتنام التي ما تزال جروحها ماثلة في ذاكرة الآلاف من شعب الولايات المتحدة و لكن الحالي فاق سلفه فشلا لأن الأول كان في وسعه أن يتحجج بالدعم السوفييتي للثوار الفيتناميين على عكس هذا الذي يعايش ما هو جار حاليا في العراق و أفغانستان أين تعيش القوة العسكرية الأميركية العظمى خزيا غير مسبوق إلى درجة أن أكبر أمل يراود الرئيس بوش حاليا هو فقط أن يتمكن من ترك منصبه في البيت الأبيض و لقد عادت الأوضاع الأمنية في العراق على الأقل إلى المستوى الذي كانت عليه قبل بدء عملية ’التحرير‘ أما الحديث عن الديمقراطية فإنه صار سمجا و لا مجال للخوض فيه لأن هذه الإدارة الحالية هي نفسها أول من انقلب على الديمقراطية في فلسطين حينما جاءت الصناديق بمن يعادون واشنطن و لا يقبلون موقفها من قضايا المنطقة.
أما فضلا عن ذلك، فإن الأميركيين تحت ظل هذا الرئيس، صاروا أمة تعيش تحت رحمة عمليات التصنت و كاميرات المراقبة التي أفقدتهم كثيرا مما كانوا يفاخرون الأمم به ثم إنهم أيضا ينحدرون بسرعة قياسية نحو الفقر فالدولار بات ينذر بأنه قد يكون سببا في انهيار أميركا بعدما كان سببا في قوتها و أهم مظهر من مظاهر تفوقها و ها هي الشركات الغربية الآن تشترط قبل إمضاء أي عقد أن يكون التسديد بأية عملة أخرى إلا الورقة الخضراء كما فعلت شركة Areva الفرنسية مثلا في الصين خلال زيارة الرئيس ساركوزي إلى بكين في الخريف الماضي حينما اشترطت على الجانب الصيني قبل أي شيء آخر، أن يكون السداد بالعملة الأوروبية الموحدة!
أما مستضيفه رئيس الوزراء الإسرائيلي فالعين لا تخطئ مدى تعلق الإسرائيليين به إلى درجة أن بعض الاستطلاعات التي أجريت هناك قالت أن عدد الذين يهيمون حبا بهذا الرجل هو من مرتبة 2 بالمائة من مجموع المستطلعين و مرد ذلك أمور كثيرة لعلها أبرزها بلا شك، تلك الهزيمة المنكرة التي حلت بجيش بلاده (الذي لا يقهر) في لبنان صيف العام الماضي حينما زمجر هذا المتعجرف بأن بلاده قررت تصفية حساباتها مع حزب الله ليعود في الأخير معترفا بعد أكثر من شهر على القصف المجنون و استهداف المدنين و قوافل المهجرين، أنه ليس هنالك جيش في العالم في وسعه نزع سلاح هذا الحزب و ها هو حاليا كما تقول التقارير يستجدي أعضاء لجنة فينوغراد عسى هؤلاء يرحموه من أن يصير أقصر رؤساء عمرا في هذه الدولة التي هي أبدع ما توصلت إليه اللصوصية العالمية على مر التاريخ.
ثم إن التقارير التي تسعى تل أبيب إلى التعتيم عنها حاليا، تفيد بأن الهجرة صوب إسرائيل تقهقرت خلال العام المنصرم إلى أدنى مستوياتها في مقابل أن الهجرة المضادة (أي أولئك الذين قرروا تطليق حلم دولة إسرائيل الكبرى) فلقد ارتفعت هي الأخرى بشكل رهيب و ليس هذا كل ما في الأمر فأيهود أولمرت لم يخسر حربه على لبنان فقط لأن بلاده أيضا بفضل حماقاته خسرت ملايير الدولارات من عقود التسليح التي كانت توشك أن تدخل خزانة الدولة بفعل مبيعات الميركافا و صنواتها قبل أن تصير تلك الصناعات محل سخرية إعلامية عبر العالم بعد أن كانت حتى وقت قريب جدا، مفخرة التصنيع الإسرائيلي و قمة إبداع العقل اليهودي (الراقي) !
في مقابل ذلك فإن رئيس السلطة التي لا محل لها من الإعراب في قواميس السياسة، هو رجل تلقى أوراق اعتماد حكومة تتعاون بشكل علني مع الإسرائيليين ضد الفلسطينيين و بالتالي، فلقد خسر حلفائه و لم يكسب أعدائه لأنه ببساطة يعاني من انسداد الآفاق من حوله و لا يدري إلى أي مكان بالضبط يرغب مستشاروه كصائب عريقات و محمد دحلان و غيرهما من المتصهينين الفلسطينيين، الوصول فهؤلاء مقامرون يعلمون تمام العلم أنهم لن يخسروا شيئا مهما كانت الظروف و النتائج فهم بالتالي رابحون بالضرورة سواء نجح مخططهم للتطبيع المجاني أم فشل بمعنى أنهم سيكونون أول من يقطف ثمار بيع القضية في حال توصلوا إلى التوقيع على ما يسمونه الحل النهائي، في مقابل أنهم لن يتحملوا أي وزر في حال الفشل لأن أبا مازن في هذه الحالة سيكون أول المسئولين ... و آخرهم طبعا!
وسط هذا المشهد، قد لا يكون التخمين مستعصيا و ليس ضروريا هنا أن يكون الواحد منا عظيم الفطنة و واسع الإطلاع حتى يدرك أن الرئيس بوش لا يملك في جعبته في الوقت الحالي غير الوعود و الكلمات من غير أن ننسى هنا أن الرجل هو أولا و أخيرا، مسيحي متطرف و متدين حد السذاجة و هذا يعني أن هدفه من الزيارة قد لا يعدو أن يكون الصلاة على حائط البراق أو حتى كنيسة المهد أو القيامة على أمل أن يواصل الرب موافاته بمتطلبات المرحلة حيث من الواضح جدا أن هذا الوحي الذي تحدث عنه ذات مرة، قد انقطع و لم يعد الناموس يزوره في مكتبه البيضاوي بدليل أنه صار يراكم الأخطاء بعضها فوق بعض اللهم إلا إذا ما قرر هذا الكاوبوي أخيرا أن يحمل الرب مسئولية فشل آماله في العراق و أفغانستان و فلسطين و لبنان وصولا إلى بورصة وول ستريت و مؤشر داو جونز أيضا !
• صحفي من الجزائر.