السبت 27 ديسمبر 2025 الساعة 08:13 ص

مقالات وآراء

10/10 من 10 سنوات

حجم الخط
د. إبراهيم حمّامي

إنه يوم الجمعة العاشر من شهر تشرين الأول/أكتوبر من العام 2003

 

في ذلك اليوم الحزين رحل والدي رحمه الله من هذه الدنيا الفانية لدار الحق بين يدي رب رحيم عادل...

 

سيشعر بكلماتي من بلغ العقد الخامس والسادس من العمر، وسيعرف من هم أصغر هذا الشعور لاحقاً...

 

إنها قصة جيل بأكمله انقرض أو كاد...

 

جيل النكبة والمعاناة، لكنه جيل الصمود والاباء...

 

جيل وقف وبكل عزة وأنفة رافضاً كل الضغوط والاغراءات لاثبات الذات...

 

ثم جاء من يريد أن يمحو وهكذا ببساطة 18 عاماً من النضال الفلسطيني وبجرة قلم، ليقول أنه كان أول الرصاص ومن جعل للفلسطيني هوية...

 

خسأتم فقد كان أباؤنا وأجدادنا رجال عظام...

 

ولهذا تحديداً ووفاءً لجيل أبائنا وأجدادنا...

 

سنعيد كتابة وقراءة التاريخ بشكله الصحيح...

 

ولن نقبل أن يكذب علينا أحد ليقول أنه حول الفلسطيني من لاجيء يستجدي المعونات لفدائي...

 

وبأنه من أعطى للفلسطيني هوية...

 

وبأنه أول الرصاص والبندقية...

 

كاذبون بأم أعينكم...

 

الهوية كانت والنضال كان ولم يتوقف للحظة...

 

بل أنتم من شوهتموه...

 

وهذا ما سنثبته حقيقة موثقة لا جدال فيها...

 

لهذا ولأننا نرفض أن يوصم أباؤنا بالتخاذل والتخلي عن الهوية والنضال سنكشف كذب "الأبَوات" و"الأبْوات" الأحياء منهم والأموات...

 

إنه الوفاء لجيل النكبة العظيم الذي لولا تمسكه وثباته وطيبته وقوته في نفس الوقت لما كنا ولما انتعش "الأبوات" وتاجروا بالعذابات والدماء حتى يومنا هذا...

 

في 10/10/2003 رحل والدي الحبيب...

 

والدي الذي ما زلت افتقده حتى هذه اللحظة وقد زرع في كل شيء جميل...

 

والدي الغالي الذي كافح وقاتل بيديه وأسنانه وأظافره في أحلك الظروف وأصعبها ليربي 5 من الأبناء...

 

نجح ورحل بعد أن أدى الأمانة...

 

تخرج الأبناء جميعاً وتزوجوا وأنجبوا...

 

والأهم أنهم جميعاً وبنَفَس هذا الوالد الطيب كانوا وما زالوا يتمسكون بهويتهم وقضيتهم...

 

والدي الغالي رحمه الله لم يكن سياسياً أو ناشطاً....

 

بل كان يكره التنظيمات و"الأبوات" الذين تاجروا بكل شيء...

 

كان لا يتعامل معهم إلا مضطراً كأغلب الفلسطينيين الذين فرضت عليهم الدول العربية قهراً وإكراهاً التعامل مع "الأبوات"...

 

لاتسجيل للمواليد إلا بورقة المنظمة، لا مدارس إلا بورقة المنظمة، لا خروج وعودة أو إقامة إلا بورقة المنظمة وهكذا...

 

تعاملوا مع المنظمة غصب عنكم، وعرفات زعيمكم شئتم أم أبيتم، و5% ستخصم من رواتبكم وافقتم أم لم توافقوا...

 

هكذا كان تعامل الأنظمة العربية مع الفلسطيني، وهكذا كانت العلاقة بالاكراه مع منظمة عرفات...

 

ورغم أن والدي رحمه الله كان يكره "الأبوات" والممارسات والزعرنات...

إلا أنه كان فلسطينياً حتى النخاع...

 

عاش في لييبا ما يزيد عن الأربعة عقود، ولم يتعلم من لهجة البلاد إلا كلمة "باهي"...

غيره درس الجامعة في الاسكندرية ونسي لهجته واعوج لسانه ليصبح مصرياً!!

 

كان يتفاعل مع كل حدث وقضية...

 

لن أنسى فرحته بعبور 6 أكتوبر عام 1973، ولا تعاسته عام 1982 باجتياح لبنان وهزيمة عرفات وتشتيت المقاومة...

 

في ذلك العام ولحزنه عما آلت إليه الأمور على يد "الأبوات" أصيب بمرض السكري...

 

لم يكن سياسياً ابداً، فقد كان يعمل – وكذلك والدتي حفظها الله – ثلاث ورديات أو وظائف يومياً ليؤمنوا لنا كريم العيش والعلم...

 

في الصباح وظيفة رسمية وأخرى بعد الظهر وفي المساء طباعة على الالات القديمة أيام ورق الاستناسل والكوريكتور!

 

والدي رحمه الله كان وحيد أمه – جدتي – التي عاشت معنا حتى وفاتها رحمها الله...

 

منها تشرّب حب الوطن، ومنه ومنها تشربناه نحن...

 

كانت تجلسنا ونحن صغار لتحكي لنا عن فلسطين، وكان حديثها مليء بالأمثال الشعبية الجميلة التي حفظناها منها...

 

ولدت واخوتي في ليبيا، وعشنا لسنوات وسنوات، مراحل الدراسة والتخرج وحتى الزواج والانجاب...

 

نتحدث لهجة البلاد كأهلها، لكن لساننا لم يلتو ولم ننس لهجتنا...

لم ننس يوماً من نحن ومن أين نحن، ولماذا نعيش في تلك البلاد التي أحببناها...

 

كم أشعر بالسعادة عندما يسألني أحدهم اليوم من اي مدن فلسطين أنت...

 

فأرد: الجواب المباشر الموجز من يافا عروس البحر...

 

أما الجواب التفصيلي فهو:

 

والدي من يافا، ووالدتي من نابلس، وجدتي من طولكرم، وزوجتي من صفد، ووالدتها من الناصرة، وزوجة أخي من غزة...

 

هكذا تربينا على أن نفخر بأصلنا ونفاخر به...

 

علمني والدي رحمه الله كيف تكون الثقة...

 

لن أنسى ما حييت يوم طلب مني مدير نادي رياضي أن أحضر ولي أمري لحادثة جرت...

 

كان عمري حينها 13 عاماً...

 

وبعد جدال بيني وبين هذا المدير في حضور والدي الذي لم ينطق بكلمة...

 

ثار المدير في وجه والدي قائلاً: لم تتحدث بشيء وكأنك تصدق كل ما يقوله ولدك...

 

أجاب بهدوء وهل فيما قاله أي خطأ...

 

ثار ذلك المدير أكثر وقال: كيف لك أن تدافع عن ولدك بهذه الطريقة؟ ماذا لو قلت لك أنه يدخن السجائر من وراء ظهرك؟ هل كنت لتدافع عنه؟

 

كان جواب والدي رحمه الله صاعقاً للجميع: قال وبهدوء: لو أتيت وقلت لي أن ابني يدخن ثم شاهدته بعيني يفعل ذلك، وسألته فقال أنه لا يدخن فسأكذب عيناي وأصدق ابني، لأنه لا يكذب!

 

يشهد الله سبحانه وتعالى أن هذا كان جوابه رحمه الله...

 

ولا أعرف كيف يمكن لأي شاب في مقتبل العمر أن يسمع هذا الجواب ثم يخون تلك الثقة أو يكذب أو يقوم بفعل منكر؟

 

هذا ما غرسه والدي رحمه الله فينا: الثقة في مكانها وقول الحق مهما كان والصدق في المعاملة...

 

كانت تلك الحادثة مفصلية وحاسمة، لا خداع ولا نفاق ولا رياء من بعدها إلى يومنا هذا...

 

لا نخشى إلا الله سبحانه وتعالى مهما كان الثمن...

 

نقف للحق ونقارع الباطل بلا وجل ولا خوف...

 

كان رحمه الله شديداً معنا بالحق لكنه في ذات الوقت عطوفاً حنونا...

 

كان علي وأنا أكبر اخوتي أن أكسر كل القواعد والقوانين التي وضعها في كل مرحلة من المراحل...

 

لا تواجد خارج المنزل بعد المغرب، لا مبيت خارج المنزل، وغيرها من القوانين التي ومع بلوغنا مراحل عمرية معينة كان لابد من خرقها...

 

ومع ذلك كان رحمه الله يقف في انتظار أي منا لو تأخر...

 

فعلها معي حتى بعد الزواج ووبعد أن اصبحت أباً، إنه قلق الأب وحنان الوالد، إنها الغربة بكل تجلياتها...

 

كان رحمه الله إن سافر وهو أمر نادر الحدوث، يشعر بقلق شديد يكاد يكون رعب من المطارات والاجراءات...

 

وثيفة السفر اللبنانية بنية اللون كانت بالنسبة له أشبه بترياق الحياة...

يخشى فقدانها ويحافظ عليها وكأنها من الأحجار الكريمة، على ما فيها!

كان هذا الشعور نتاج المعاملة السيئة في كل المطارات العربية...

 

الفلسطيني متهم حتى يثبت العكس...

 

أما "الأبوات" سبب البلاء فلم يعرفوا تلك المعاناة أبداً...

 

كانوا أحباب الأنظمة ويعيشون في ظلها وأحضانها...

 

بعد سنوات وعقود من الزمان قضاها في العمل في ليبيا، كان عليه أن يغادر بعد أن قرر المقبور القذافي أن يطرد الفلسطينيين عامي 1995 و1996...

 

خرج بعد أربعة عقود ويزيد مع والدتي واثنين من اخوتي الشباب بثلاث حقائب تحوي بعض الملابس...

 

هذا كان حصاد الغربة في نهايتها...

 

يومها فرض رفيق الحريري تأشيرات دخول على حملة الوثائق اللبنانية من اللاجئين الفلسطينيين، ولم تكن التأشيرات تمنح خاصة لمن كانوا في ليبيا...

 

انتهى بهم المطاف عندي في غربة جديدة في بريطانيا...

 

لكنه لم يطق العيش في غربة جديدة، لم يرتح ولم يستقر...

 

وما أن ألغى لبنان قرار فرض التأشيرات حتى غادر ووالدتي على أول طائرة متجهة إلى بيروت...

حيث بقية من أهل وقرب من الوطن السليب...

 

عاد بعد ما يقارب النصف قرن، كان كل شيء مختلفاً وغريباً بالنسبة له...

 

لكنه يبقى أفضل الخيارات...

 

في عام وفاته ضغط وأصر على أن نزوره في بيروت، وفعلت مع عائلتي...

 

في لحظة الوداع نظر إلي نظرات غريبة، كانت نظرات مودع...

 

قلت لزوجتي والدمع يغالبني، لدي شعور أني لن أرى والدي مرة أخرى...

 

لكن كرم الله سبحانه وتعالى كان كبيراً وعظيماً...

 

اتصال من أخي الصغير أواخر شهر أيلول/سبتمبر فجراً كان مختصراً، إما أن "تلحق" والدك أو لا تلحق، فقد أُدخل العناية المركزة بجلطة قلبية...

 

كنت هناك بعد ساعات قليلة، شاهدته ورافقته في المستشفى...

 

بت معه حتى غادر للمنزل...

 

لكن الطبيب المعالج كشف لي حقيقة الوضع، القلب ضعيف جداً ولن يصمد...

 

أخبرت الجميع، هكذا تعودنا أن نكون صرحاء...

 

كان أكثر ما يحزن والدي بعد أن عاد للمنزل أنه لن يستطيع حضور صلاة الجمعة أو صيام شهر رمضان الذي كان على الأبواب...

 

غادرت يوم 28/09/2003 عائداً لعملي...

 

لم يمهله المرض كثيراً، رحل والدي الحبيب رحمه الله فجر يوم الجمعة 10/10/2003 ليُصَلى عليه صلاة الجمعة ويدفن في مقبرة الشهداء في بيروت...

 

لم يستطع صلاة الجمعة بعد مرضه حياً، لكنه حضرها ميتاً...

 

هي إرادة المولى عز وجل...

 

والدي الحبيب هو نموذج جيل كامل عاش الغربة مراراً، وما زال...

 

جيل كانت تركته صعبة وكبيرة وثقيلة...

 

لكنه تخطى الصعاب وتغلب عليها...

 

وكم منكم عاش والده وجده ذات التجربة وربما أكثر مرارة وألماً؟

 

كم منكم عاش تنغيصات الغربة وظلم ذوي القربى؟

 

فما بالكم بالمخيمات وعذاباتها الماضية الحاضرة؟

 

كم منكم يحن وكم منكم يشعر أن من واجبه أن يفِ أهله حقهم؟

 

على الأقل بذكراهم الطيبة وبرفض تشويه سني عمرهم كما يريد المتاجرون بالعذابات...

 

بمنطق البعض غير المؤمن: لم ير رحمه الله يوماً جميلاً في حياته...

لكن بمنطق المؤمن بالله وإرادته، كان سعيداً بما أنجز وحقق من خلال أبنائه وأسرته...

 

كان التغلب على كل عائق وصعوبة انجاز يفرحه ويسعده...

 

مفهوم السعادة بالنسبة لجيل النكبة يختلف تماماً عن مفهومنا له...

كم افتقدك يا ابي الغالي وكم أحن للحظات معك...

 

أشهد الله أنك أديت الأمانة وكفيت ووفيت...

 

وأشهده أنك كنت نعم الأب ونعم الوالد ونعم الصديق...

 

وأشهده أني كنت وما زلت وسأبقى داعياً لك بالخير على ما قمت به...

سائلاً المولى عز وجل أن يجعله في ميزان حسناتك...

 

وأن يجمعنا في الآخرة كما جمعنا في الدنيا على ما يحب ويرضى...

 

إلى الملتقى يا والدي الحبيب ... إلى الملتقى.