في عمان تحمس شخص لأفكاري فقال أرسل لي أحد كتبك للنشر، وأنا رجل نشرت من كتبي حتى الآن 38 كتاباً، وعندي أكثر من خمسين للطباعة تنتظر وقتها لترى النور. قمت بإرسال الكتاب إليه ليعود إليّ ومعه رسالة اعتذار عن طباعة الكتاب. جاء في الاعتذار أنني أستخدم الآية والحديث في طرحي ولكنني أخالف رأي أهل السنة والجماعة؟ هنا فهمت أن الآيات والأحاديث وفهمها يتم وفق قالب لا يمكن تجاوزه؟ وأن هناك أقنية معينة من التقليد يجب أن يمر كل كاتب بها.
تذكرت النيهوم الليبي وهو يتحدث عن أبراج المراقبة في العالم العربي، وأن الكلمة حتى تمر يجب أن تعبر 24 بوابة لا يستطيع أي حصان عربي رشيق أن يقفز فوقها.
وفي يوم أجرى معي أخ فاضل مقابلة من جريدة محترمة فكلفتني هذه المقابلة أن أطير من الجريدة مثل طير حبش.
ومن الدمام أذكر كيف أنني ناقشت أخاً عن قصة غريبة وردت في تاريخ ابن كثير فكلفني ذلك أن أكسب عداوته إلى يوم الدين.
وفي يوم كنت أناقش أخاً عزيزاً في ألمانيا عن تفسير مجلة يصدرها الإخوان المسلمون من مصر عن تفسيرهم لأحداث جرت يومها فكلفني هذا أن أشعر أن لا فائدة من النقاش مع حزبي.
ومن مدينة القامشلي أذكر كيف تناقشت مع أستاذ رياضيات فاضل عن طريقة سيد قطب في الكتابة، والإنشائية المغرقة فيها، فتناقشنا حتى بحت أصواتنا.
وتقدمت إلى دار نشر يوماً بخمسة كتب للنشر فقالوا لي إنني رجل مادي لأنني طالبت بحقوق التأليف، فاضطررت أن أوقف نشر أربعة كتب جميلة من أجمل ما كتبت.
وهناك من كتبي ما سرق، وأعيدت طباعته بدون علمي، وبعضها طبع ونسب لآخر، وبعض مقالاتي قام لص مقالات بسرقة كمية كبيرة منها، ونسبها لنفسه، حتى جاءت أخت فقالت لي هل هذه المقالة لك أم له؟ قلت لها انظري التاريخ.
ومشكلة نسخ المقالات أصبحت سهلة لا تحتاج لأكثر من ماوس بجرة قلم تؤخذ المقالة ويعدل الحرامي فيها قليلاً، ثم يقول هي من إنتاجه، وأنا المسكين أتعب على بعض الأبحاث أياماً متتالية.
والحاصل أنني أعيش كل يوم قصة من هذا الشكل حتى بدأت بالتفكير الجدي في طباعة تراثي المعرفي الممتد على نصف قرن على حسابي على شكل كراسات صغيرة تدرس في دورات على أمل تنشئة جيل جديد في مدى ربع القرن القادم.
