تمتاز المعاملات في الدول المتقدمة بالسرعة و الشفافيه بحيث انتهت ثقافة مراجعة الدوائر الرسمية التي تسبب في تعطيل أشغال المراجعين و ازدحام الدوائر و يمكن اصدار جميع الوثائق و دفع جميع الفواتير عن طريق الانترنت أما الشفافية فتتمثل في معرفة المواطنين التفاصيل الدقيقة لمعاملاتهم و فواتيرهم فلا دفع على السبهللة و لا مبدأ (ادفع ثم اعترض) و الضريبة لا تفرض ابتداء الا بموافقة المواطنين عن طريق نوابهم و كثير من الأخذ و الرد و الخض لاخراج زبدة في مصلحة المواطن
أما في بلدنا فالضرائب تهبط بالبراشوت على المواطن و تتضاعف بالملايين للتغطية و سد ثغرات الفساد ونجدها في كل فواتيرنا مثبتة دون أن نعرف فيما أخذت و على ماذا ستصرف!!!
و حتى لا يظل الأمر في النقد التنظيري دون بينة فكان أول ما هبط على بيتنا بعد انتهاء أمين عمان من جولاته التصويرية بالزي البرتقالي، الذي نأمل أن يكون نفع عمال الوطن و النظافة بأكثر من الابتسام للكاميرا و ذلك بتحسين رواتبهم و ظروفهم المعيشية، فاتورة ممهورة بتوقيعه السامي بما يقارب الخمسمائة دينار بالبنود التالية: زينة و تحسينات و تعبيد و تزفيت و بدل جدران
جاءت الفاتورة فنزلت الى الشارع أستطلع لعلني أجد جديدا أضافته الأمانة من بنود هذه الفاتورة فوجدت أشجار الزيتون ذاتها التي زرعناها و جيراننا بأيدينا على امتداد الشارع منذ أكثر من عشرة أعوام! و تطلعت الى الجدران فوجدتها ذاتها التي بناها المهندس يوم بنينا بيتنا الذي ندفع عليه كل سنة أيضا ضريبة مسقفات!! أما التعبيد و التزفيت فيا ليت يخصص لنا أمين عمان ضمن جولاته البرتقالية خمسة دقائق ليرى الحفر و المطبات الحفرية المؤهلة للزيادة السنوية مع بداية الموسم المطري و يشرح لنا كما يشرح لكاميرات التلفزيون و عدسات الكاميرا أين تذهب ضرائبنا و نحن لا نرى أثرها في واقع حياتنا؟!
أخذ أبي الطبيب الستيني، الذي يغادر المنزل في السابعة و النصف صباحا ليعود في الثالثة على أقل تقدير، الفاتورة ليدفع للدولة أجر جدران البيت الذي أقامه و الزيتون و الأشجار التي زرعها أمامه و تأملت ماذا يفعل بقية المواطنين و الشعب المصنف في أغلبيته تحت خط الفقر هل يدفعون مثل هذه الفواتير المصطنعة لخدمات غير مرئية أم أنهم في أمان أبي زهير و وعده من عدم تأثر 80% من الشعب بالضرائب المتزايدة؟! و لماذا تأتينا هذه الضرائب الآن بعد عشرين سنة من سكن البيت و إقامة جدرانه و تزيين شارعه أم أن الأمانة تبحث في الدفاتر القديمة عن أي فلس يمكن أن تحصله من جيب المواطن؟!
أنظر الى أبي الذي بدأ يحدودب ظهره و الذي يدفع الضرائب المرئية و غير المرئية و الحقيقية و المصطنعة حاله مثل حال كثير من الشعب التي تريد الحكومة بأذرعها المختلفة و منها أمانة عمان أن تقتسم معه حتى اللقمة أو تأكلها كلها و اذكر قصيدة بيرم التونسي:
قد أوقع القلب في الأشجان والكمد
هوى حبيبٍ يُسمى المجلس البلدي
أمشي وأكتمُ أنفاسي مخافة أنْ
يعدهـا عامل للمجلس البلـدي
ما شرد النوم عن جفني القريح سوى
طيف الخيال خيال المجلس البلدي
إذا الرغيفُ أتى ، فالنصف ُ آكُلُهُ
والنصفُ أتركُه للمجلس البلدي
وإنْ جلستُ فجيْبـي لستُ أتركُهُ
خوف اللصوص وخوف المجلس البلدي
وما كسوتُ عيالي في الشتاء ولا
في الصيف إلا كسوتُ المجلس البلدي
كــأن أمي بل اللهُ تُربتها
أوصتْ فقالت : أخوك المجلس البلدي
أخشى الزواج إذا يوم الزفاف أتى
أن ينْبري لعروسي المجلسُ البلدي
ورُبما وهب الرحمنُ لي ولدا
في بطْنهـا يدعيه المجلس البلدي
وإنْ أقمتُ صلاتي قلتُ مُفتتحا
اللهُ أكبرُ باسم المجلـس البلــدي
أستغفرُ الله حتى في الصلاة غدتْ
عبادتي نصفُها للمجلـس البلـدي
يا بائع الفجل بالمليـم واحدة
كم للعيال وكم للمجلس البلدي
المشكلة بالتأكيد ليست في الأمانة و لا في الحكومة و لكن في الشعب و سكوته و وقوفه بالطوابير لدفع فواتير يعلم أنها ليست أكثر من سرقة مقننة في وضح النهار و كلما زاد السكوت فالضرائب ستزيد و سنسمع بإضافات ما أنزل الله بها من سلطان!
هنيئا للحكومة بنا شعب قابل للطرق و السحب و الضغط دون أن يصل أبدا الى مرحلة الانفجار!
ما من ضريبة دون وجه حق الا و وراءها شعب ساكت فلا تلوموا الحكومة و لوموا أنفسكم
جدران بيتنا بناها أبوي معاليك و جدران الوطن بناها الأردنييون الذين يعضون على النواجذ حتى يبقى هذا البلد آمنا عامرا و مستقرا و لكنكم تنظرون إلى الشعب على أنه حيطه مايلة و تحملوه ما قد يؤدي به الى الانهيار يوما ما!
