آفة العقائد حراسها، وآفة الأحاديث رواتها. وفي الحديث هلك المتنطعون فلا أرضاً قطعوا وما أبقوا ظهراً. وقصة الثلاثة الذين جاءوا يسألون عن عبادة المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم معروفة. لقد ظنوا أن الحدود المتطرفة فضيلة والصواب ما كان بين ذلك قواماً.
أذكر جيداً حين ابتليت بهذا المرض الوبيل مرض التشدد حتى كاد دماغي أن ينشف وروحي أن تهلك. كان ذلك في فترة المراهقة. كنا ندخل معارك دون كيشوت مع الطواحين حول رجل لبس خاتم ذهب أكثر من نقاشه حول الوعي البيئي، بحب الزرع والخضرة والورد، وأنه لا يجوز إلقاء القمامات في كل مكان محولين مدننا إلى مزابل تنشر المرض والقذارة والرائحة القبيحة. كنا أحياناً يبلغ بنا جنون التشدد أننا نتعارك مع سائق السيارة أن يوقف الموسيقى وإلا نزلنا من السيارة العمومية؟ كان المسكين السائق يتسلَّى في رحلة طويلة كي لاينام بموسيقى تعينه في السفر كما في حداء الإبل، ولكننا كنا في حالة إرهاب فعلية لمن حولنا.
كان هناك من يؤكد لنا أن إطلاق اللحية وطولها وقصر الثوب أهم من الوعي السياسي؟ وماذا تعني الديمقراطية؟ وتمثيل الناس؟ ولماذا تخلَّف المسلمون في الوقت؟ الذي قفز الغرب إلى واجهة التاريخ.
أعترف للقارئ أننا مررنا بهذا المطب، كما يقع للطائرات وهي تعبر الأجواء الخطيرة، ولكن لم يستقر بنا المقام في هذه الأمكنة، فأمكننا التحرر منها والقفز فوقها، المشكلة ليست عند طول اللحية وخاتم الذهب واللباس وما شابه، بل يتعدى الأمر إلى الدماء.
أذكر جيداً حين كنت في مسجد أصلي العشاء فلما فرغت رأيت رجلاً جالساً في ركن المسجد يحدقني بقسمات عابسة جامدة. أشار بأصبعه أن تعال؟ لم أفهم إشارته تماماً؟ فلما وصلت إليه كرر من جديد بأصبعه أن أجلس؟ كان خطابه إشارات مثل تعليم الصبيان بدون احترام. فضلت أن أتابع طريقي وأشرت له بإصبعي ـ بنفس طريقته ـ أن الحقني إن كان ثمة حديث تريده.
حالياً ما يقلق في الثورة السورية هم أولئك المتشددون الذين يذكرون بالخوارج. الذين لا يعرفون إلا لغة السلاح، هنا ابتليت الأمة السورية بمرضين السرطان البعثي والتشدد الأصولي، إذا سقط النظام البعثي وحكم سوريا أولئك المتشددون سيكون الأمر مخيفاً، لأن البعثيين العبثيين يقتلونك إذا نازعتهم السلطان، أما أولئك المتشددون فيبحثون عن عقيدتك هل هي على المقياس الذي يؤمنون به أم يختلف؟ والويل لك إذا خالفت مقاييسهم الوحيدة المسموح بها في مليمترات قليلة.
