قيل إن الجنون فنون وقد يصح العكس، فمن كثرة التفتقات الفنية وغرابتها أصبحنا نؤمن حقا أن بين الإبداع والجنون شعرة، وأن الفنان عليه أن يكسر القوالب حتى يتفوق، ويخرج عن المعتاد، غير أن هذه النظرة قد تحمل تقليلا واستصغارا لأدوات في غاية الخطورة تحمل رسائل دينية وسياسية واجتماعية، ظاهرة أو مخفية، ومن قرأ رواية شيفرة دافنشي The Davinci Codeللكاتب دان براون يعلم أن الرسومات الشهيرة لدافنشي كالموناليزا والعشاء الأخير ورسومه التشريحية التي نمتع بها أنظارنا كتحف فنية تحمل رموزا وتشير الى جماعات وطقوس غريبة قد يؤدي العبث بها الى الموت، وهذه الخطورة تنسحب على الفنون كلها، فقد فَقَدَ غسان كنفاني حياته وهو ما زال يكتب حلم العودة الى حيفا في روايات متعددة، وأمضى ناجي العلي عمره وهو يعض على حنظلة أودت مرارتها بحياته.
ومدارس الفنون تدرس مساقات منهجية في تفسير الصور ومعانيها، فالمدرسة الانطباعية غير المدرسة الكلاسيكية، وهما مختلفتان عن لخبطة الألوان في المدرسة التشكيلية التي قد لا يفهم البعض يمين الصور فيها من شمالها، فالفن يحمل بالطبع رسائل موجهة، وليس فنا لأجل الفن art for art’s sakeوحتى في المدارس العدمية nihilismوالمسارح العبثية theater of the absurdوحتى في انتظار جودو Waiting for Godotهناك مضامين واضحة الدلالة، فالفنان بشر له عواطف وأفكار لا يكتب أو يرسم أو ينحت إلا وقد تحرك شيء في داخله، أما أن نظن أن الفنان يقارب مواده بذهن خالٍ وقلب سالٍ فهذه سذاجة المبتدئين الذين يشترون الكتب والأعمال الفنية ليفاخروا بها في مكتبات بيوتهم أو على جدرانهم.
وفي باب استخدام الفن المجنون للهروب من المساءلة والتبعات القانونية قام الفنان الإسباني يوجينيو ميرنو بعمل منحوتة بعنوان (درج الى السماء) تصور شيخا بعباءة وطاقية بيضاء ساجدا على الأرض، يعلوه قس راكع يعلوه حاخام واقف، وبجانبهم الشمعدان اليهودي يخرج منتصبا من فوهة البندقية.
وقد احتجت إسرائيل لدى اسبانيا فقط لكون الشمعدان، وهو رمز ديني يخرج من فوهة البندقية، وليس على كون الحاخام يطأ ظهر القس المسيحي والشيخ المسلم ليصل الى الأعلى في كناية عن سيطرة اليهود الذين يدوسون على رقاب الخلق ويلوون أعناق النصوص الشرعية والتاريخية ليؤكدوا أنهم شعب الله المختار الذي أعطي أرض الميعاد، وأن باقي البشر من الغوييم أو الأغيار حمير بني إسرائيل أو مداعس أقدامهم وسلم ارتقائهم كما تظهر المنحوتة، كما تظهر المنحوتة أن قوة اليهود ليست مسنودة بوعد الله وإنما بقوة السلاح.
المنحوتة الجدلية أحدثت ضجة سياسية في الدورة التاسعة والعشرين للمعرض الدولي للفن المعاصر في إسبانيا المعروف باسم (أركو) وجلبت الشهرة والثراء للنحات، حيث تم بيعها بخمسين ألف يورو بالرغم من الكساد الذي يعاني منه سوق اللوحات والمنحوتات بحسب المشرفين على المعرض.
لقد طلب فرعون من هامان صرحا ودرجا الى السماء ليكذّب رب موسى ويثبت ألوهيته فكانت نهايته أن ابتلعته ظلمات البحر، وهي سنة الله في جميع الطغاة، نكالا في الدنيا والآخرة، بينما رُفع آدم عليه السلام بطاعته فوق الخلق جميعا وأُسجدت له الملائكة، فليس الصعود دائما علامة الفلاح، بينما السجود دائما دلالة القرب من الله والمرتقى الحقيقي الى السماء.
غير أن هناك رسالة أخرى في المنحوتة للمسلمين والعرب بعيدا عن ميدان العبادة ملخصة في ما قاله مارتن لوثر: «لا يستطيع أحد ركوب ظهرك إلا إذا كنت منحنيا»، فلا يجب أن نلوم إلا أنفسنا لأننا أركبناهم ظهورنا.
بُورك هذا النوع من الفن، وبُورك هذا النوع من الجنون، وأي خطوة ومسمى يفتح عيون العالم للحقيقة التي أحسن الإسرائيليون طمسها وتغييرها، وأستعير من نزار، إذ قال:
إن عصر العقل السياسي ولى من زمان فعلمونا الجنونا
يا مجانين (إسبانيا) ألف أهلا بالمجانين إن هم حررونا
