الخميس 08 يناير 2026 الساعة 04:47 ص

مقالات وآراء

سبحان مغير الاحوال

حجم الخط
د.محسن الصفار

في ايام العزوبية كانت اولوياتي ونظرتي للحياة نظرة قائمة على الانسان يجب فقط ان يسعى للنجاح وكنت دوما اسخر من اصدقائي الذين يقضون معظم وقتهم في قضاء حاجيات اطفالهم وكنت اسميهم بالخدم السخرة الذين يعملون بلا مقابل ناسيا او متناسيا ربما اني لم اولد رجلا بل كنت ايضا طفلا وكان اهلي يقدمون لي نفس الخدمات المجانية .

 

ولاني كنت كثير السفر فقد كانت حكايتي مع الاطفال المسافرين مع اهلهم حكاية بحد ذاتها وكان بكاء وصراخ الاطفال في الطائرة يكاد يفقدني اعصابي وكانت الجملة التي تمر في ذهني دوما هي اذا عندك ولا خليك في بيتك واستمتع بصراخهم وارحم الناس اللي حواليك !

 

ولم اكن ابدا ممن يحبون الاطفال وكنت دوما ابتعد عنهم بقدر المستطاع ولم اكن ازور بيت اي من الاصدقاء الذين لديهم اطفال صغار في السن .

 

طبعا هذه الاخلاق الحميدة والطباع الجميلة ! كانت تقلق امي بشدة لانها كانت لاتتصور اي نوع من الاباء ساكون اذا رزقني الله بطفل وحتى عندما اخبرتني زوجتي فيما بعد انها حامل كانت نبرة كلماتها مزيج من الفرحة والقلق من رد فعلي المرتقب

ومرت ايام الحمل وسمعت لاول مرة صوت بكاء ابنتي تارا في صالة الولادة لم اكن اعي اني اسمع صوتا يكاد يكون اجمل في اذني من كل السيمفونيات التي سمعتها ولم اكن استطيع ان افسر لماذا يبدو هذا الصراخ والبكاء المزعج والذي كنت اتذمر واهرب منه طوال حياتي صوتا جميلا عذبا في اذني .

 

وعندما القيت اول نظرة على وجهها الصغير احسست فجأة انني انا من ولد من جديد في غرفة التوليد وليست هي ! احسست فجأة اني انسان اخر او بالاحرى احسست اني اصبحت انسانا للتو دون ان اجد جوابا لتساؤلي ماهو نوع الكائنات الذي كنت عليه قبل رؤيتها .

 

ادركت معني العشق الابدي من اول نظرة او بالاخرى من اول صرخة وتحولت من الرجل الذي كانت زوجتي وامي يخشين ان اكون قاسيا مع ابنائي الى الرجل الذي يتوسلن به ان يقوي قلبه ويقسى قليلا عليهم لغرض تربيتهم وعدم جعلهم مدللين .

 

وفي كل سفرة كنت اصطحب فيها عائلتي الى الخارج للسياحة والتريض ويبكي احد اطفالي في الطائرة كنت اتذكر ردود افعالي على بكاء اطفال الاخرين وابتسم واقول سبحان مغير الاحوال .