جزء من حالة الإحباط التي أصابت المسلمين بعد أحداث مصر تمثل في سرعة الانتقال من شكل من أشكال القوة والتمكين مع تحدياتهما الى مرحلة الضعف والاستبدال، فما كادت اللقمة تصل الى الحلق ويحس أصحاب المشروع والفكرة الاسلامية ورواد الفضلية والعدل وحقوق الانسان بانفتاح آفاق المستقبل بتحقيق الانتصار السياسي في مصر وقيادتها لركب مشاريع التغيير والتحرر العربية حتى عدنا الى ما قبل المربع الأول والى عهد الملاحقة والسجون والحظر والشيطنة وكأن ما كان بينهما لم يكن سوى استراحة محارب أو أضغاث أحلام!!
وما رأيناه من اخلاص وتجرد وتضحية كان في حسابنا كبشر زاد، ومقدمة لانتصار انتهى ذلك كله بقسوة تركت آثارها وآلامها في النفس وأحدثت عند البعض ردة فعل سلبية من القنوط والتساؤل الى متى نبقى نبذر ولا ندرك موسم الحصاد؟!
غير أن اليأس ليس فقط خيانة كما يحلو للبعض أن يصف إنه ضعف في الإيمان، ففي هذه القضايا المصيرية وسنن الاستخلاف والابتلاء ليس الأمر معرضا للتوجهات الشخصية وطبيعة النفوس، فإما أن تكون متشائما أو متفائلا أو متشائلا تجمع بينهما! إن القضية إما أن تكون مؤمنا أو غير مؤمن بقدر الله المثبت في كتابه وسنة رسوله صل الله عليه وسلم من نصر الاسلام، أما القضية والخيار الشخصي هو أن يختار الانسان أن يكون من جند الاسلام وإنفاذ قدر الله في الأرض أو لا يكون، ولكن المحصلة النهائية والنتيجة الخاتمة لا لبس ولا شك عند المؤمنين فيها، فالله كتب في اللوح المحفوظ «لأغلبن أنا ورسلي» ونسب تحقيق الغلبة الى ذاته سبحانه وتعالى بأيدي رسله فهو قرار رباني وليس خيارا أو عملا إنسانيا بحتا او حتى الجهد البشري يكون اصطفاء من الله فليس الجميع مؤهلين ليكونوا رواحل تحمل قدر الله في أرضه والى عباده، فالبعض لا يصلح أن يكون أكثر من متطفل ينتظر الفتات على مائدة أعدها غيره، وبعضهم ليسوا معنيين أصلا أو معادين فاولئك لا بد أن يبتعدوا ويمحصوا ويتغربلوا حتى يستوي سوق الفكرة والمشروع على قوة دون طفيليات تحد من نموه.
والله لا يُستعجل لا بحساب الأيام البشري ولا بحساب التضحيات مهما طالت الأولى وكثرت الثانية، بل إن التاريخ علمنا أن المرحلة التي تبلغ فيها القلوب الحناجر أو مرحلة يأس الرسل «حتى إذا استيأس الرسل» هي المرحلة الني يتبعها نزول النصر «جاءهم نصرنا» ولكن العجلة طبيعة بشرية لو نجا منها أحد لنجا الصحابة والرسول بين ظهرانيهم عندما أتوه ليشكوا اليه ما أًصابهم ويستغيثون بدعائه ونصرته فأخبرهم أنهم ليسوا فريدين في ضراوة الابتلاء، فالأمم السابقة عانت بشاعة التعذيب ونشرت بالمناشير كما ورد في الحديث ولكن ذلك لم يصدها عن دينها أفيصبر أهل الباطل على باطلهم ويجبن ويتزعزع أهل الحق عن حقهم؟! ثم فتح الأفق أمامهم في تربية نبوية حريصة على بث روح الأمل كعبادة وأخبرهم أن ما يعانونه سينجلي عن أمان وتمكين وليس أي أمان وتمكين، إنه أمان وتمكين يمكن المرأة، وهي الأكثر رقة واستضعافا في المجتمع، أن تسافر وتتاجر دون رفقة ولا معين ولا حام من الرجال.
لو كان الاسلام يتمكن بمجرد الأماني أو صغير التضحيات لحصل ذلك مع الرسول، ولكن حتى في زمن الرسول قاسى الأمرين من التعذيب وفقد الأهل والتآمر والطرد حتى يعلم البشر أن بلوغ الفتح أمر صعب وخطير وجلل، وهل أكثر من حالة الضعف التي وصل اليها المسلمون في زمن المغول يوم بعث هولاكو لقطز رسالة تيئسية أرادت أن تغلق عليه منافذ الأرض والسماء والدنيا والآخرة حتى باب الله فقال له «اتعظوا بغيركم، وسلّموا إلينا أمركم.. قبل أن ينكشف الغطاء، فنحن ما نرحم من بكى، ولا نرق لمن اشتكى.. فتحنا البلاد، وطهرنا الأرض من الفساد.. فعليكم بالهرب، وعلينا بالطلب.. فأي أرض تأويكم؟ وأي بلاد تحميكم؟ فما لكم من سيوفنا خلاص، ولا من أيدينا مناص فخيولنا سوابق، وسيوفنا صواعق، ورماحنا خوارق، وسهامنا لواحق، وقلوبنا كالجبال، وعديدنا كالرمال. فالحصون لدينا لا تمنع، والجيوش لقتالنا لا تنفع، ودعاؤكم علينا لا يسمع».
ولكن قطز المؤمن بوعد الله بعث له جوابا يراه لا يسمعه وسير له الجيوش غير مبال بالقاعدين من الامراء وقال لهم عندما نصحوه بالتسليم: «أنا ألقى التتار بنفسي.. فمن اختار الجهاد يصحبني، ومن لم يختر ذلك يرجع إلى بيته، وإن الله مطلع عليه، وخطيئة حريم المسلمين في رقاب المتأخرين (عن القتال) «ثم وقف يخاطب الأمراء ويقول:
«يا أمراء المسلمين، من للإسلام إن لم نكن نحن».
قد يركن المتقاعسون ويقولون هذا من طبيعة الأمور فالاسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا وذلك تعطيل وسوء فهم لمعنى الحديث وزمنه فكيف ينتصر الاسلام وهو ما زال غريبا؟ وهل ينتصر بالنخبة فقط؟ أم أنه سيصبح حالة عامة ويجتمع عليه معظم الناس حتى يتمكن؟ وهل هذه الغربة المقصودة تكون في آخر الزمان قبل القيامة عندما يرفع ويقبض الله الدين والعلم والبقية الصالحة من عباده؟ كيف نوازن بين هذا الحديث الذي قد يفهمه البعض نزوعا نحو العزلة الشعورية والجسدية عن الناس والمجتمع وبين الأحاديث الأخرى التي توصي بمخالطة الناس وخدمتهم وتجعل ذلك فوق أجر العبادات الشعائرية؟!
لقد ورد في بعض أحاديث المبشرات ما يمكن أن نستنبط منه ولو تقسيما مبدئيا لحالة المجتمع الذي يتنزل عليه النصر فقد جاء في وصف حروب آخر الزمان أن الناس ينقسمون الى ثلاثة أثلاث «فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبدا ويقتل ثلثهم أفضل الشهداء عند الله ويفتتح الثلث لا يفتنون أبدا» أي أن الصلاح في المجتمع ما بين الشهداء والمجاهدين يجب أن يكون بنسبة الثلثين فهل أدركنا هذه النسبة حتى نستحق النتيجة؟
إذن فلا نطالب الله بحاجاتنا وآمالنا مع تأخر وقلة عملنا وتقديمنا في سبيل استنزال النصر، فالله لو أراد تحقيق النصر بأمره فقط لكان أمره أسرع مما بين الكاف والنون.
ثلثا صلاح حتى يستقيم الأمر للاسلام ويصمد لمواجهة ثلث فساد وإفساد فماذا أدركنا من هذه النسبة حتى الآن؟ وهل ما حصل وظنناه شرا لنا هو خير لنا لاستكمال إعداد كان ناقصا في العامل البشري والمادي والامتحان الآن فيمن يتابع لاستكمال المتطلبات أو يركن ويأخذ عذر القاعدين لنفسه؟!
قد ينصرنا الله بقلة العدة والعدد وقد يخذلنا بكثرتهما ولكنه طالبنا سبحانه بإعداد الأسباب بأفضل ما نستطيعه وما زلنا في بداية مرحلة الإعداد التي تتطلب أن نعود الى الناس والى المجتمع لنعود معهم وبهم بخطوات مدروسة وأقدام ثابتة الى قمة الهرم مرة أخرى، في الاسلام ليس هناك تفويض لأناس دون غيرهم ولكنه كما قال المقداد لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر: يا رسول الله إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون.
يجب أن نعود الى الناس والى المجتمع لنعود معهم وبهم الى الحضن الواسع لنحمل جميعا في شراكة قوية فكرة يجب أن تسع الجميع ويجدوا لهم فيها فسحة وقبولا وتفعيلا.

