الثلاثاء 20 أكتوبر 2020 الساعة 03:31 م

مقالات وآراء

أبو مازن يضفي شرعية على تهويد القدس

حجم الخط
لو تناولنا القمة الثلاثية التي عقدت مؤخراً في القدس بين أولمرت وعباس ورايس ليس من زاوية القضايا التي طرحت فيها أو النتيجة التي انتهت إليها- والتي أشبعها المحللون والكتاب تنقيباً وتعليقاً حتى لم يتركوا مجالاً لإضافة جديد - لو ابتعدنا قليلاً عن هذا الجانب وعالجنا القمة من زاوية أخرى ،من زاوية الدلالات المصاحبة لمكان وظروف انعقاد القمة فإننا سنرصد ملاحظات خطيرة تتعلق بهوية القدس والمساعي الرامية إلى تهويدها.
 
 نبدأ هذه الملاحظات مع تعمد الجانب الصهيوني اختيار مدينة القدس مكاناً لانعقاد القمة ،ليس بصفتها عاصمة مشتركة للصهاينة والفلسطينيين ،ولكن بصفتها بيتاً يهودياً خالصاً قام سيده -أولمرت - باستقبال الضيوف فيه وتقديم واجب الضيافة لهم دون أن يعني ذلك أن للضيف حقاً في بيت مضيفه ،وهو ما تأكد برفض رفع العلم الفلسطيني أمام المبنى الذي عقدت فيه القمة والاقتصار على رفع العلم الأمريكي إلى جانب العلم الصهيوني في تنكرٍ واضحٍ لأي حق للشعب الفلسطيني في القدس واستهانةٍ بالغةٍ بمن يدَّعون تمثيله لو أنهم كانوا يعقلون.
 
وإذا كان هذا السلوك متوقعاً من جانب أعدائنا لأنهم يسعون إلى تحقيق أهدافهم القومية والدينية وإلى إرضاء شعبهم ،فإنه من غير المفهوم أو المعقول أن يتجاوب الوفد الفلسطيني بقيادة أبي مازن مع هذه المقاصد الصهيونية،ولا نسمع منهم أي اعتراض على مشيئة أولمرت في تحديد المكان والزمان اللذين يرتئيهما ويتوافقان مع اعتباراته وحساباته هو ودولته ،وهؤلاء أنفسهم هم الذين ملئوا الدنيا ضجيجاً قبل الانتخابات التشريعية الأخيرة وطالبوا بإلغائها إن لم يُشرَك المقدسيون فيها ،وبرروا ذلك بحرصهم على فلسطينية القدس وعروبتها .
 
فما الذي تغير الآن والقدس تتعرض لأخطر مراحلها ،والدفاع عن هويتها بات أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى؟أم أن القدس ليست في حساباتهم أكثر من وسيلة مزايدة يستعملونها حين تلجئهم الحاجة لذلك.علماً بأن هذه المرة ليست الأولى التي يجتمع فيها مسئولون في السلطة مع مسئولين صهاينة في مدينة القدس وقد أثار اجتماع أبي مازن الذي سبق الاجتماع الأخير مع أولمرت في القدس عدداً من المخلصين من أبناء شعبنا ونبهوا إلى ما يحمله مكان الاجتماع من دلالات سياسية تمس هوية القدس ،لكن أبا مازن كعادته لم يعر هذه النصائح أي اهتمام وأعاد الكَرَّة مرة أخرى ،ولعل مما ساعده في ذلك هو حالة التوافق الداخلي وعدم رغبة المعارضة في التأثير على حالة الهدوء بإثارة مثل هذه القضية. إذا كان لدى أبي مازن ما يسوقه لتبرير مبدأ الجلوس مع الصهاينة والتفاوض معهم ،فليس من المقبول إطلاقاً تبرير الموافقة على اختيار القدس مكاناً للجلوس خاصةً إذا علمنا أن معظم دول العالم ترفض إقامة سفاراتها في مدينة القدس وتقيمها في تل الربيع ،وما دام الأمر كذلك فإن من العار أن يتصدى فريق فلسطيني لمنح الصهاينة غطاءً شرعياً يساعدهم أمام العالم في ترويج القدس عاصمةً لهم مستندين في ذلك إلى أن الفلسطينيين وهم أصحاب الشأن يأتون إلينا في مدينة القدس ويتفاوضون معنا تحت ظل العلم الإسرائيلي.
 
إن تكرار مثل هذه اللقاءات في مدينة القدس خاصة في ظل أعمال التهويد التي تتعرض لها هو مباركة عملية لتلك الأعمال وإقرار بملكية اليهود لهذه المدينة المقدسة وعلى المسئولين الفلسطينيين أن يكفوا عن تصرفاتهم الغير مدروسة ،وعلى الفصائل الفلسطينية أن تبدي معارضةً قوية لهذه الخطوات وألا يمنعها حرصها على العلاقات الجيدة مع الرئاسة من تبني مواقف قوية تتناسب وأهمية قضية القدس.
 
 
أحمد أبو رتيمة