هذه مقدمة لتوثيق نعرضه يوم غد في ذكرى جريمة أوسلو المشؤومة...
مقدمة وتوثيق لا مفر منه بعد التشويه الذي أرادوه لتاريخ ونضال شعبنا...
بهدوء وبعيداً عن حالة الافلاس التنظيمي والتهييج العاطفي والهستيري في الضفة الغربية...
وبتجرد تام رغم موقفي الشخصي الواضح...
نطرح هنا قضية من أخطر القضايا التي مرت على شعبنا خلال فترة نضاله الحديثة...
ليس الأمر شتماً ولا سباً ولا تعريضاً ولا تطاولاً ولا قحاً ولا ذماً ولا تجريحاً ولا تهجماً...
بل هو توصيف توثيقي محض لاثبات جريمة ارتكبت بحق شعبنا وقضيته وما زال البعض ينافح عنها إما جهلاً أو مشاركة فيها...
لكم أن تقدسوه، وأن تجعلوه رمزاً تعبدوه، لكم أن تحجوا لقبره وتزوروه، لكم أن تهاجموا من يكشفه وتكفروه، لكم أن تنشدوا الأناشيد وعلى أنغامها تهزهزوه...
لكم ما شئتم لكن هذا لن يغير من الحقائق والوقائع...
في كل مواثيق الأرض وأديانها وأعرافها وبلدانها وشعوبها لا يختلف أحد على تعريف الخيانة والخائن...
كل من تآمر على شعبه أو فرّط بحق من حقوقه أو تنازل عن ذرة من تراب وطنه أو تعامل مع المحتل ونسّق معه، أو قتل ابناء شعبه لصالح عدوه، هو خائن...
لكن قبل البدء لنسأل أنفسنا، أنا وأنتم هذه الأسئلة:
· هل من باع فلسطين – أي حبة رمل أو شبر منها، وطني أم خائن؟
· هل من يقتل أبناء شعبه خدمة للمحتل تحت سياط التعذيب في سجونه ومعتقلاته، وطني أم خائن؟
· هل من يتنازل عن حق العودة المقدس فردياً وجماعياً، وطني أم خائن؟
· هل من يعترف للمحتل ب"حق" في 78% من وطنه ويوقع على ذلك، وطني أم خائن؟
· هل من سعى أو يسعى لضرب المقاومة وملاحقتها وطني أم خائن؟
· هل من نسق وينسق مع الاحتلال ويتسلح بموافقته وتدريبه وطني أم خائن؟
· هل الذي يقبل أيادي عدوه وطني أم خائن؟
· هل من يعترف بما يسمى "يهودية اسرائيل" وطني أم خائن؟
· هل من يعلن جهاراً نهاراً أنه مستعد لمحاربة حتى حركته من أجل "اسرائيل" وطني أم خائن؟
· هل من يفرض الخيانة على شعبه وبالاكراه وطني أم خائن؟
· هل من ضرب أسس منظمة التحرير الفلسطينية ودمرها لصالح "اسرائيل" وطني أم خائن؟
· هل من يربط اقتصاد وطنه بالمحتل ومن ثم يغرقه بالديون وطني أم خائن؟
لقد فعلها عرفات جميعاً وأكثر...
وسنثبت ذلك...
موقفنا منه ميتاً لا يختلف عنه حياً، وقفنا وعارضنا وكتبنا وصرّحنا...
لا نفاق ولا مجاملة في الحق ولو أغضب ذلك ملايين الأرض!
قلنا وكررنا لقد ارتكب عرفات جرم الخيانة عن سبق إصرار وتعمد...
لم ينكر هو ذلك ولم يخجل...
لكن أتباعه ومحبيه وبعض عابديه يرون الخيانة وجهة نظر...
أو ربما تكتيكاً ودبلوماسية وحنكة...
وفي أسوأ الأحوال اجتهد فأخطأ!
لا يا سادة لقد فعل ما فعل بتخطيط وتدبير استمر لسنوات وسنوات...
مهّد له وجهز لتطبيقه وأرغم من معه عليه...
ثم أصر عليه وحارب من رفضه...
هي الخيانة في أبشع صورها!
ولتتضح الصورة والمنطلق والأسباب نستعرض التالي:
دينياً:
• "لا تجوز على الميت إلا الرحمة" و"اذكروا محاسن موتاكم": كثيرة هي المقولات الشائعة التي يتداولها المسلمون بينهم- باحترام كبير- ظنا منهم انها احاديث نبوية صحيحة، وعند التدقيق فيها، والبحث عنها، نجدها مجرد كلام،لا قيمة له شرعا ،لانها ليست كما يتوهم البعض، احاديث نبوية ولانها تتعارض مع الاحاديث النبوية الصحيحة …
ومن الامثلة على هذا المقولتان اعلاه ….فالمقولتان كلاهما .. قال عنهما علماء الاحاديث انهما لاتصحان وليستا حديثان نبويان . وهذه المقولات تتناقض مع الحديث الصحيح الذي رواه أنس بن مالك حيث قال: “مروا بجنازة فأثنوا عليها خيراً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وجبت، ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شراً، فقال: وجبت، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما وجبت؟ قال: هذا أثنيتم عليه خيراً فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شراً فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض. رواه البخاري.
فلو كانت المقولات الشائعة المذكورة اعلاه صحيحة لنهاهم النبي عليه السلام عن ذكر الميت بالسوء او الشر، لكن الذي حصل هو انه اقرهم وعلق قائلا وجبت…
وهو ما ذهب إليه الشيخ حامد العلي في موقفه من شيخ الأزهر السابق طنطاوي عندما قال وبعد سرد مخازيه: وهذا الهالك يُذكر كما يذكر أهل الضلالة ، بما فعلوه من شر ومخازي ، ليحذر منهم ، ويكون ذلك عبرة لغيرهم ، فليس في ديننا منح الإمتيازات بغير حق ، لاسيما في مقامات الدين ، لما في ذلك من إضلال المسلمين، مضيفاً: فالحمد لله الذي أراحنا وأراح الأمة الإسلامية من شره .
ولا والله ، لا يذكر إلاَّ بشـر أعمالـه ، ولا كرامة له ، ولا نعمـة عين.
رغم أن طنطاوي لم يفعل عشر معشار ما فعل عرفات
• ليس المؤمن بطعان ولا لعان ولا فاحش ولا بذيء: مع التأكيد أنه ليس شتم أو طعن أو فحش أو بذاءة لكنه وصف واقع وحالة إلا أن اخراج الحديث الشريف من سياقه أصبح عادة لديهم، وهنا نقول: يقول الله سبحانه وتعالى في وصف اليهود ومن شابههم (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ) وقال سبحانه عمن بلغه الهدى ثم انسلخ من الدين (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ)
وروى البخاري من حديث جعفر الضمري يسنده إلى وحشي بن حرب رضي الله عنه أنه قال خرج سباع فقال : هل مبارز فخرج له حمزة رضي الله عنه وقال يا ابن أم أنمار يا ابن مقطعة البظور أ.هـ
وكان هذا السباب بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليه .
وقال النسائي : باب اعضاض من تعزى بعزاء الجاهلية ورى بسنده عن عتي عن أبي بن كعب -رضي الله عنه- يرفعه (من تعزى بعزاء الجاهلية فاعضوه بهن أبيه ولا تكنوا) والحديث صحيح
قال ابن القيم رحمه الله معلقاً على هذا الحديث : (ذكر هن الأب لمن تعزى بعزاء الجاهلية فيقال له: اعضض هن أبيك، وكان ذكر هن الأب ها هنا أحسن تذكيرا لهذا المتكبر بدعوى الجاهلية بالعضو الذي خرج منه، وهو هن أبيه، فلا ينبغي له أن يتعدى طور)
وروى الترمذي بسنده عن المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم (لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا إنما هم فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعل الذى يدهده الخراء بأنفه إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية إنما هو مؤمن تقى وفاجر شقى الناس كلهم بنو آدم وآدم خلق من تراب) فوصفهم بوصف الجعل في حال دهدهة الخراءة والوصف ظاهر القسوة والشدة .
وفي البخاري أتى عروة بن مسعود ـ فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي نحوا من قوله لبديل، فقال عروة عند ذلك: أي محمد أرأيت إن استأصلت أمر قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك، وإن تكن الأخرى فإني والله لأرى وجوها وإني لأرى أوشاباً من الناس خليقاً أن يفروا ويدعوك، فقال له أبو بكر: امصص ببظر اللات، أنحن نفر عنه وندعه
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (فمتى ظلم المخاطب لم نكن مأمورين أن نجيبه بالتي هي أحسن)
وقال ابن القيم رحمه الله في قول الصديق لعروة (امصص بظر اللات) دليل على جواز التصريح باسم العورة إذا كان فيه مصلحة تقتضيها تلك الحال قلت : وأن لفظ كهذا جاز قوله للمصلحة فما كان أقل منه أثرا يجوز قوله بدلالة الأولى
وطنياً:
• لا يجوز التعدي على الرموز الوطنية: لا نتحدث هنا عن حياته وعلاقته بأسرته ومطعمه ومشربه، بالرغم أن سني حياته الأولى غامضة تماماً لكنها ليست موضوعنا، الرموز الوطنية لا تعني أن نسكت عن الخيانة والاجرام والعمالة أو أن نضع هالة من القدسية على أفراد ليقوموا بجرائمهم كما يحلو لهم، من يعمل في الحقل العام هو حق عام لتقييم مواقفه وأدائه ومحاسبته ومعاقبته.
• عرفات خط أحمر: ببساطة لا خط أحمر إلا الوطن والشعب، ومن تخلى عن كل الخطوط وتنازل وفرّط وباع لا يحق له الحديث عن خطوط لا حمراء ولا صفراء.
• من يهاجم القادة يخدم الاحتلال: مرة أخرى نكشف المواقف ونفضحها ونعريها وهذا واجب وحق، ومن خدم الاحتلال هو الخائن الذي باع وفرط وعمل لصالح الاحتلال لا من يكشف جريمته.
• عرفات صمد في كامب ديفيد 2 ورفض التوقيع: لم يُعرض شيء على عرفات للتوقيع كي يرفضه، ادوارد سعيد وهاني الحسن وثقوا ذلك في كتابين، وهذه الادعاءات يطلقها المدافعين عن عرفات بلا دليل ولا اثبات.
• لولا أنه كان وطنياً لما اغتالته "اسرائيل": قضية اغتياله لم تثبت جنائياً بعد، وقد فصلت في ذلك في كتاب كامل، والأهم أن الاحتلال والاستعمار على مدى التاريخ كان يتخلص من أتباعه وعملائه حين الانتهاء من فائدتهم وانتهاء صلاحية استخدامهم، عرفات وجدوا من هو أكثر منه استعداداً للخيانة فتخلصوا منه، وقتله إن ثبت لا يمنحه اعفاء من خيانته، علماً بأنه حاول في آخر أيامه وبعد انتهاء صلاحيته العبث مع من عمل لصالحهم من خلال محاولات فاشلة لتهريب الاسلحة أو دعم بعض المجموعات، لكن القطار كان قد فاته تماماً.
• وطنياً لم يقدم أي شخص على مدار التاريخ فوائد لـ "اسرائيل" كما فعل عرفات ومن وجهة نظرهم لا استغرب إن تم يوماً تخليد ذكراه أو نصب تمثال له في تل أبيب.
تاريخياً
• تعرض تاريخنا لتشويه رهيب وتعدٍ سافر عليه ويكفي التذكير أن فتح وعرفات تبدأ تأريخها للنضال الفلسطيني منذ العام 1965 لتمسح فترة نضالية عظيمة ورهيبة امتدت بعد النكبة في العام 1948 وحتى العام 1965من خلال شعارات مضللة وفارغة المضمون كأول الرصاص وأول الحجارة ومن صنع للفلسطيني هوية وغيرها من الأمور التي سنرد عليها في حينها
• كل القادة والزعماء مهما بلغ مركزهم كانوا مادة للتقييم والدراسة، عرفات ليس استثناء ولا هو نبي أو قديس، الصحابة لم يكونوا استثناء من معاوية بن أبي سفيان لعمرو بن العاص وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين
• الحجاج، تشرشل، محمد علي، عبد الناصر، غاندي ورغم تقديس بعض شعوبهم لهم لم يكونوا استثناءً.
• إعادة قراءة وتصحيح وتصويب التاريخ الذي شوهته حركة فتح وقيادتها هو ليس حق مطلق فقط بل واجب وأمانة.
• هل إذا مات مجرم أو عميل أو خائن نزور التاريخ ونصمت ونجعل منه بطلاً ورمزاً فقط لأنه ميت وتحت التراب، منطق أعوج لا يستقيم ابداً، وإلا فلنلغي مادة التاريخ من مناهجنا وعقولنا ولنجعل كل الأموات أبطالاً وشهداء!
وبعد،
سنعرض غداً بإذن الله توثيقاً تاريخياً إحقاقاً للحق وإعادة لتعريف الأمور بتعريفاتها، والأهم مرضاة لله عز وجل الذي بإذنه وتوفيقه لن نخشى أحداً إلا هو سبحانه وتعالى...
حتى وإن كان الثمن رصاصة غادرة كالتي أطلقها عرفات على ناجي العلي...
نوثق لله والتاريخ، رغم كل محاولات التشهير والتشويه التي تقودها فتح تنظيماً وأفراداً...
نوثق ونتحداهم كباراً وصغاراً أن يردوا الحجة بالحجة والدليل بالدليل والبينة بالبينة...
إن كان لديهم رد...
بدلاً من الردح والهستيريا والتهريج الذي أصابهم خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية...
وللغاضبين المضللين أو المستغفلين، اقرأوا وابحثوا فلا عذر لكم...
شعبنا وقضيته أكبر من عرفات ومن كل التنظيمات...
اتركوا التعصب الأعمى وأزيلوا الغشاوة واقرأوا الحقائق كما هي...
موعدنا الغد إن بقي في العمر بقية...
لا نامت أعين الجبناء!
