الثلاثاء 30 ديسمبر 2025 الساعة 11:59 م

مقالات وآراء

الاستعصاء التاريخي

حجم الخط
أحمد أبو رتيمة

يعني الاستعصاء أن تصل الأمم والأقوام إلى حالة جمود فكري وموت روحي، تتوقف فيها عن تجديد نفسها، وتعجز عن الاستمرار في العطاء الحضاري؛ فتفقد مبرر وجودها التاريخي، وتنكمش على نفسها وتتجمد في مربع من الزمن، تعكف على أصنام من التقاليد والموروثات لا تبرحها، في هذه الحالة تنعدم أي إمكانية للإصلاح، وتحارب كل دعوة للعقل، وتتعطل آليات المراجعة والتصويب (النفس اللوامة)؛ فتصم الآذان وتستغشى الثياب في مواجهة كل فكرة جديدة، ويقتل الآمرون من الناس بالقسط؛ فتصبح هذه الأمم عبئًا ثقيلًا على الحضارة البشرية.

 

مؤشر حياة الأمم هو مدى قدرتها على التجدد الدائم، ومدى فاعلية آليات النفس اللوامة فيها للتأشير الدائم على المسار الصحيح وقدرتها على التعامل مع التحديات المستجدة بأفكار إبداعية، والتحرر من أسر الأفكار التقليدية حين تعجز هذه الأفكار عن أداء دورها الوظيفي، وتصبح الحاجة ملحةً لصيغ اجتماعية وثقافية أكثر فاعلية.

 

في القرآن يحمل مصطلح "الكفر" أبعادًا اجتماعيةً وحضاريةً عميقةً تتجاوز المعنى الغيبي الضيق الذي حصرناه فيه، فالقرآن حين يتحدث عن عدم إيمان الأمم يشرح حالة الاستعصاء الفكري التي أصابت تلك الأقوام، حتى إنها سدت كل منافذ الفهم، ولم تعد مهيأةً لقبول أي أفكار جديدة، تتحدث مئات الآيات عن هذه الحالة: "لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا"، "أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون"، "قل انظروا ماذا في السموات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون"، "إنا جعلنا على قلوبهم أكنةً أن يفقهوه وفي آذانهم وقرًا وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذًا أبدًا"، إذًا مشكلة عدم الإيمان ليس مردها إلى التباس فكري يزال بمزيد من الإيضاح والأدلة بل هي حالة متعمدة من سد منافذ الفهم، وقرار مسبق بالمعاندة؛ فماذا ستغني كل الأدلة والبراهين والآيات؟!، "فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين".

 

لقد كانت المواجهة بين الأنبياء وأقوامهم في جوهرها مواجهةً بين التجديد والتقليد، أو بين العقل والجمود، فالأقوام تواجه أنبياءها بحجة: "إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون"، فيرد الأنبياء عليهم بالعقل: "أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم"، "أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون"، لقد كان منطق الأقوام قائمًا على أن قدم الأفكار ووراثتها عن الآباء ومألوفيتها تعطيها قداسةً وصلاحيةً مطلقةً، في حين تلخص منطق الأنبياء في أن الأفكار يجب أن تناقش في ذاتها؛ فالأفكار السائدة ليست بالضرورة أن تكون حقًّا لمجرد أنها هي المألوفة والمتوارثة، والأفكار الجديدة قد تكون هي الحق؛ فوجب الحكم عليها بالعقل لا بالقدم أو الجدة، لقد كان الأنبياء هم حملة لواء التجديد في مواجهة الجمود وإغلاق العقول.

 

لو طبقنا هذه المعاني في واقعنا فإن في كل مجتمع منظومةً سائدةً من الأفكار والتقاليد، هذه المنظومة تمثل "ما وجدنا عليه آباءنا"، والأفكار الاجتماعية لها صلاحية تتوقف على قدرتها على الإجابة عن التحديات المستجدة، وتحقيق العدل والحكمة، فإن فقدت هذه القدرة ماتت وأصبحت الحاجة ملحةً لإبداع أفكار جديدة، فإن آثر المجتمع التمسك بالأفكار القديمة بدافع الحنين إلى الماضي، والرغبة في الاستقرار، وافتقاد الشجاعة للتحرر من إرث الآباء؛ فهو مجتمع ميت لأنه عطل آلية المراجعة لمنظومته الفكرية، فلم يعد قادرًا على الانطلاق نحو المستقبل والمساهمة الحضارية، ودخل حالة الصنمية التي تعني موت الروح وبقاء الشكل.

 

لكن الله (عز وجل) الذي وضع الميزان ليقوم الناس بالقسط لا يترك الناس يضلون الطريق دون أن يبين لهم، لذلك أوجد مؤشرات ومشعرات تحذرنا من الاتجاه الخطأ حتى نرجع إلى الطريق الصحيح، مثلما أن هناك أعراضًا للمرض تظهر على الجسم لتنبه المريض إلى المسارعة إلى تناول الدواء.

 

هذه المؤشرات يسميها القرآن آيات ونذرًا، وهي ليس شرطًا أن تكون معجزات؛ فكل ما ينزل بالناس من أزمات اجتماعية واقتصادية وسياسية هي تجليات لخلل في البناء الفكري تستدعي المراجعة "ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون"، إن الله لا يعذب الناس في هذه الدنيا انتقامًا، بل لتحقيق غاية خيرة تتمثل في رجوعهم إلى الطريق الصحيح.

 

إن الأزمات المتنوعة التي تحل بالمجتمعات هي بمنزلة محرض للعقل على الاستيقاظ من سباته، ومراجعة المنظومة الفكرية القائمة والبحث عن مواطن الخلل فيها، وهذه الوظيفة الإيجابية للأزمات تستفيد منها المجتمعات الحية؛ فتخرج بعد الأزمة أقوى، لكن المجتمعات الميتة مصابة بالعماية والجمود القاتل؛ فتتعطل أي قدرة على الاستفادة والتصحيح، وتصاب بالبلادة المطلقة؛ فلا تعتبر من كل المؤشرات والتحذيرات "وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها"، وتصر على التمسك بالمنهج نفسه الذي أنتج الأزمات، وبدل المراجعة إنها تبرر وتفترض المؤامرة "وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ".

 

لا ينزل العذاب على المجتمعات دفعةً واحدةً بل بالتدرج؛ لعلهم يرجعون، فإن لم يستفيدوا تطلب الأمر جرعةً أخرى، حتى إذا استنفدت كل محاولات الإصلاح تبين أن هذا المجتمع قد وصل إلى الاستعصاء الكامل والعماية الكاملة، ودخل في موت تاريخي "إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن"، "ولا يلدوا إلا فاجرًا كفارًا"، في هذه الحالة تتدخل حكمة الله لإهلاكه، بعد أن فقد أي مبرر للبقاء، واستنفدت كل محاولات إصلاحه، وقد يأتي هلاكه عن طريق التحلل الذاتي بفعل الظلم، وتزايد الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، أو بفعل حرب خارجية وفق سنة التدافع.

 

إن هذا الإنسان عجيب في عناده وتكذيبه للآيات والنذر، وتصل اللاعقلانية به أنه يرى العذاب أمامه فلا يدفعه ذلك إلى الإيمان، ويواصل عمايته وتبريره "فلما رأوه عارضًا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم".

 

إن عماية قوم عاد دفعتهم حتى اللحظة الأخيرة إلى تعليل نذر العذاب بأنها ظواهر طبيعية ستجلب لهم الخير (التفكير الرغائبي الأهوائي)، وما أشبه منطق قوم عاد بمنطق الأقوام الظالمة اليوم التي تعصف بها نذر العذاب من أزمات اجتماعية واقتصادية وسياسية طاحنة، ثم تخدع نفسها بأن الأمور طبيعية، وليس ثمة أي مشكلة، إنه الاستعصاء الفكري الرهيب.

 

أما السؤال الصادم فهو: هل مجتمعاتنا العربية حية أم دخلت مرحلة العماية التاريخية؟!