الثلاثاء 20 أكتوبر 2020 الساعة 03:29 م

مقالات وآراء

باتفاق مكة .. هل تسعى فتح إلى شراكة سياسية حقيقة ؟

حجم الخط

 

قبل أن يصل القادة الفلسطينيين إلى رحاب مكة المكرمة كانت الأوضاع في الأراضي الفلسطينية قد وصلت إلى مرحلة متقدمة من الخطورة .. فقد بدا و كأن الاقتتال الجاري على الأرض سائر إلى مرحلة الحرب الأهلية .. و وصلت الأمور ذروتها, فقد طالت نيران الاقتتال حرمات المساجد و الجامعات بعد أن تجاوزت خطوط كانت قبل ذلك حمراء .

و صاحب ذلك انسداد للأفق السياسي الفلسطيني الداخلي و تجلى ذلك بإعلان الرئيس محمود عباس عن نيته إجراء انتخابات رئاسية و تشريعية مبكرة , و انسداد للأفق السياسي مع لجانب الإسرائيلي و بدا ذلك واضحا بعد النتائج الصفرية للقاء اولمرت - عباس في الثاني و العشرين من ديسمبر من العام المنصرم .

من بين معالم هذه الصورة القاتمة جاءت المبادرة السعودية بدعوة الأطراف إلى الحوار في مكة و قد استجابت الأطراف للمبادرة كما فعلت بسابقتها مثل المبادرة الأردنية , و المقترحات المصرية لحل الأزمة , و المبادرة القطرية قبل ذلك .

و مع وصول الإطراف المتنازعة إلى مكة بدا واضحا من التصريحات قبيل اللقاء أن الفرقاء جادون هذه المرة في الحوار,  و أنهم جادون بالوصول إلى اتفاق ,و أصبح شعار حوار مكة تلك العبارة التي صرح بها خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس قبيل وصوله إلى مكة ' في حوار مكة غير مسموح بالفشل ' .

 

و بدت الأمور أكثر أريحية مع كلمات المجتمعين في اللقاء الافتتاحي للحوار لكل من عباس و مشعل و هنية .. و في النهاية خرج علينا المجتمعون بصيغة اتفاق بشأن تشكيل الحكومة ,و إعادة صياغة منظمة التحرير ,و الشراكة السياسية .فيما بات يعرف بـ ' اتفاق مكة ' و سادت أجواء الفرح و الارتياح في فلسطين و بدا المواقف تجاه الاتفاق تخرج تباعا .

 

و لكن لماذا قبلت الأطراف باتفاق مكة بعدما بدا للجميع قبلها بقليل أن الوفاق بعيد المنال , و لماذا ذهبت حركة فتح تحديدا للاتفاق – و هو موضوع حديثنا - ؟ و هل هذا التصرف من فتح نابع من توجه حقيقي عند فتح للشراكة السياسية ؟ أم انه إجراء تكتيكي أملته الظروف على الأرض و المعطيات الإقليمية حولها ؟؟

و قبل الإجابة نستحضر بعض المعطيات عن الوحدة و الشراكة في الممارسة عند فتح :-

أولا: من المعروف أن الحركات و الأحزاب التي تحكم لفترة طويلة و خاصة في دول العالم الثالث الذي ننتمي إليه تدخل في حالة 'إدمان السلطة' حيث يختلط الحزب بالدولة على مستوى القيادة و المؤسسات و التمويل و تسخر أدوات الدولة لمصلحة الحزب و يصبح الاستئثار بالحكم الشغل الشاغل للحزب , و المحدد الرئيس للتصرفات و المواقف . و هذه الحالة عينها عند حركة فتح .

ثانيا: إن حركة فتح و من يوم أن سيطرت على منظمة التحرير الفلسطينية و هي تدير المنظمة وفق رؤيتها الواحدية و كانت الشراكة في غالبها ديكورا تجمل به فتح المنظمة, و بعد أن أقامت فتح السلطة لم تقدم و لو نصف خطوة على طريق الشراكة السياسية الحقيقة , و كان دائما طرحها أن من أراد أن يشارك معنا لابد أن يتكلم بلغتنا ويلبس ثوبنا , فلم نرى طيلة فترة حكم فتح قيام حكومة وحدة وطنية و لا جرت مساعي حقيقة لذلك .

ثالثا : أن فتح ذهبت ابعد من مجرد رفضها للشراكة السياسية و خاصة مع المعارضة الحقيقة متمثلة بحركتي حماس و الجهاد , فقد مارست سياسية الإقصاء بالحديد و النار و فتح أبواب السجون لقادة المعارضة , و لاحقت مؤسساتها و مارست كل ممارسات أنظمة العالم الثالث في قمع الحركات المعارضة .

رابعا : كان واضحا من مشاورات تشكيل الحكومة الفلسطينية العاشرة أن حركة فتح لا تريد المشاركة في الحكومة التي تقودها حركة حماس و ذلك من خلال الشروط و الطلبات التي وضعتها فتح لكي تقبل في المشاركة في الحكومة كالمطالبة – علي سبيل المثال – بالالتزام الكامل بالاتفاقات التي وقعتها منظمة التحرير الفلسطينية مع أن البرنامج الذي انتخبت عليه حماس كان على قاعدة الرفض لهذه الاتفاقات , وأيضا مطلب فتح بالاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثل شرعي و وحيد للشعب الفلسطيني مع أن حماس خارج المنظمة فكأنما يراد لحماس إنكار تمثيلها للشعب الفلسطيني و غيرها من الشروط . و كانت فتح تريد أن تترك حماس وحدها في سفينة الحكومة لحاجة في نفس يعقوب.

خامسا : مارست حركة فتح ممثلة بما بات يعرف 'بالمؤسسة الرئاسية ' سياسية إفشال للحكومة عبر عشرات الإجراءات المبكرة مثل سحب صلاحيات واسعة من الحكومة على المستوى المالي و الاقتصادي و على الصعيد الأمني و الإعلامي و السياسي و التمثيل الخارجي ؛ حتى أن الرئيس عباس عين فاروق القدومي وزير للخارجية إلى جنب وزير خارجية الحكومة . و كثيرا ما اتهمت حركة حماس بالتصريح مرة و بالتلميح مرات على أن عباس يشارك بشكل أو بأخر بحصار الحكومة الفلسطينية , حتى نزلت الأجهزة الأمنية التابعة للرئيس لتتصارع مع مسلحي حماس و القوة التنفيذية التي شكلها وزير الداخلية , عدا عن اصطفاف عباس مع المطالب الدولية من حماس بالاعتراف بإسرائيل و تطبيق الاتفاقات السابقة قبل أن يتراجع عنها عباس في اتفاق مكة.

سادسا: قامت حركة فتح بشن حملة إعلامية دعائية ضد الحكومة و حركة حماس استخدمت فيها مختلف وسائل التشويه الحكومة و أدائها . و الغريب بالأمر أن فتح – المفترض أنها بالمعارضة –  استخدمت أدوات الحكومة في مهاجمة حماس – المفترض أنها في الحكم -  و هذه من الغرائب التي نتجت على الساحة الفلسطينية بعد فوز حماس في الانتخابات التشريعية الثانية.

من مجمل النقاط السابقة يتضح أن فتح إن كان على مستوى الممارسة لم تؤمن بالمشاركة السياسية فلماذا إذا وافقت على بنود اتفاق مكة ؟

يمكن تلخيص بعض هذه الأسباب كما يلي :-

أولا : صحيح أن حركة فتح و عبر مؤسسة الرئاسة سحب الكثير من الصلاحيات الحكومية , إلا أن فتح بدأت تشعر بمأزق خروجها من الحكومة و أن مرور الوقت على ' حكومة حماس' يؤدي إلى ترسيخ أقدام حماس في الوزارات عبر التعينات و التنقلات داخل الوزارات , و أن فتح كانت تعتمد بشكل كامل على التوظيف في المؤسسات الحكومية في عملية الاستقطاب المحتدمة مع حركة حماس و أن هذه الميزة بدأت فتح تفقدها بطريقة تدريجيا .

ثانيا : إن حملة إسقاط الحكومة لم تأتي ثمارها كما كان متوقعا و بالزمن المرسوم لها في عقول الفتحاويين , و أن الزمن كان عامل ضغط على قيادة فتح , و حتى القضية الكبرى التي استخدمها فتح على أنها ورقة رابحة و هي قضية الرواتب بدأت تفقد تأثيرها بفعل بعض الشروخات في الحصار الاقتصادي , و انتقال هم الناس من الرواتب إلى الأمن الشخصي فقط بفعل حالة الاقتتال في الشوارع .

ثالثا : قامت حماس بجهد إعلامي مضاد للهجمة الإعلامية الفتحاوية كي توضح الصورة للجماهير , و استخدمت بذلك أدواتها التي لا تملكها فتح كالمساجد و الدعاة و الخطاب الديني , و كانت حماس تستند على خلفية الفساد الفتحاوي في المرحلة السابقة التي لا ينكرها حتى الفتحاويين أنفسهم .

رابعا : كان الحصار على الحكومة و محاولة إسقاطها واضحة و صارخة , و الناس على ثقة أن إطرافا فلسطينية تحاول إسقاط الحكومة بالتعاون مع أطراف خارجية . أي أن مساعي فتح تقاطعت مع المساعي الأمريكية و الإسرائيلية في هذا المجال ؛ و من المعروف الحساسية الشديدة للجماهير العربية و الفلسطينية على وجه الخصوص تجاه أمريكا و إسرائيل على اعتبارها أعداء الشعب الفلسطيني , فالرضا الأمريكي أو الإسرائيلي عن أي شخص يضعه في دائرة الاتهام. و إسرائيل و أمريكيا لم تتورع عن كيل المديح للرئيس عباس و تصنفه في خانة المعتدلين في مواجهة محور المتطرفين الذي تمثله حماس على الجانب الفلسطيني حتى أن الرئيس عباس كان يتحرج من مديح أمريكا و إسرائيل له .

و لا يخفي أن أول من دعم قرار أبو مازن بإجراء انتخابات رئاسية و تشريعية مبكرة هي إسرائيل و أمريكا و بريطانيا و هذه الدول ارتبطت بالوجدان الفلسطيني بالعداء السافر و الداعم للاحتلال .

و وصل هذا الأمر ذروته حينما قرر الكونجرس تقديم مساعدات بعشرات ملايين الدولارات  للقوات التابعة للرئاسة لمواجهة حركة حماس, و ما صاحب ذلك من لغط حول قافلة الأسلحة ,و كان ذلك تدخلا سافرا في الشأن الفلسطيني و هو ما سبب لحركة فتح حرجا شعبيا و قيميا و وطنيا و أخلاقيا .

و هذه الحالة حافظت على التفاف جماهير حول حماس كردة فعل عكسية للتدخل من الدول ' العدوة' للشعب الفلسطيني

خامسا: انه و مع سيطرة فتح على الأجهزة الأمنية فان دخول القوة التنفيذية على الخط الأمني و بكل قوة هدد سيطرة فتح على الشارع . و أن القوة التنفيذية لم تتأخر بفرض نفسها على الشارع مما اوجد نوع نسبي من التوازن العسكري و شعرت فتح بان ورقة الأجهزة الأمنية بدأ تنازعها فيها حماس و بقوة .

سادسا : بدأت الدول العربية و خاصة المجاورة منها تيأس من أن تقوم فتح و الرئاسة بإسقاط الحكومة , و بدأت تعي هذه الدول على ضرورة إشراك حماس بالحكم . فمصر مثلا بدأت تشعر بالخطورة من تردى الأوضاع في قطاع غزة المجاور لها و أكثر من مرة تطال نيران الفلتان الجانب المصري , و بدأت الأردن تخشى من انتقال الأحداث للضفة الغربية و معروف المصالح الأردنية في الضفة الغربية , بل أن الساحة الأردنية نفسها و بحكم الوجود الفلسطيني الكبير في الأردن تتأثر بالأحداث , و كانت بداية ذلك من بيانات صدرت باسم فتح في الساحة الأردنية يهدد بنقل الصراع مع حماس إلى كل الساحات مما دفع الأردن إلى احتجاز احد القادة الفتحاويين .

 حتى أن أي من الدول العربية لم تشجع عباس على قراره الأخير بإجراء الانتخابات المبكرة . كما لم تخفي بعض الدول العربية عن عدم رضاها عن الخطاب التي التصعيدي للقيادات الفتحاوية و خاصة خطاب الانطلاقة في مدينة غزة , مما اضطر الرئيس عباس أن يغير من روح الخطاب الفتحاوي في خطاب الانطلاقة في رام الله  .

سابعا : وجود تيار في فتح ضد المواجهات مع حماس و ضد تصرفات الرئيس عباس مثل فاروق القدومي رئيس اللجنة المركزية لحركة فتح و غيره . لأنهم يعرفون أن ذلك يعزز من مكانة منافسيهم على الساحة الفتحاوية و قد نشرت وسائل إعلام فتح حادثة المشادة العنيفة بين توفيق الطيراوي و جبريل الرجوب .

 

لمجمل ما سبق و لغيره ذهبت فتح لاتفاق مكة المكرمة و قبلت و لو من حيث المبدأ بالشراكة السياسية مع حركة حماس .

و ستبقي هذه الأسباب تتصارع مع ما تحدثنا به في البداية عن المعطيات عن الوحدة و الشراكة في ممارسة فتح حتى تنتصر أحداهما على الأخرى , و بعدها فإما أن تستمر حركة فتح في قبولها لمبدأ الشراكة و إما أن تنقلب عليه و تدخل الساحة الفلسطينية في دوامة جديدة من الصراع و الأيام و حدها ستوضح الصورة .

و لكن على المستوي المنظور ستبقى حركة فتح على موقفها من اتفاق مكة بانتظار تغيرات على المستوى الإقليمي و الدولي لصالحها ثم تعيد تقيم موقفها من حكومة الوحدة الوطنية .. و ما يدفع للقول باستمرار موقف فتح على حاله من الاتفاق عدة أمور :-

أولا : إن تراجع حركة فتح عن الاتفاق سيحسب ضدها على مستوى الجماهير في فلسطين و سيوقعها في حرج شديد .

ثانيا : كانت حركة فتح و الرئيس عباس تستند على الدعم العربي في مواقفها تجاه حماس , أما بعد الرعاية السعودية و الدعم العربي للاتفاق فسيضيق هامش الدعم العربي لعباس . عدا عن العرب يودون استمرار حالة الهدوء في الأراضي الفلسطينية

ثالثا : حركة فتح بحاجة إلى فترة من الهدوء على الساحة لتعيد ترتيب أوراقها خاصة بعد التراجعات التي شهدتها في المواجهات الأخيرة مع حماس

رابعا : إن الدعم الدولي للرئيس عباس و مقاطعة حكومة حماس كان قد وضع الأوروبي في حرج أخلاقي واضح و يبدو أن أوروبا ستتعاون مع الحكومة القادمة على أنها حكومة للشعب الفلسطيني ؛ بمعنى أنها لن تبقى داعمة لطرف دون أخر كما كان في السابق , و لا يخفى الدور الروسي الذي يسعى لأخذ دور متزايد في منطقة الشرق الأوسط و بدا ذلك من خلال تصريحاته الرئيس 'بوتين' الأخيرة في زيارته المثيرة للجدل للشرق الأوسط , و تصريحاته بأنه لا يعتبر حماس حركة إرهابية و انه غير نادم على دعوة حماس لموسكو بعد فوزها بالانتخابات, و تصريحات وزير خارجيته التي تحدث فيها عن سعي روسيا لان تتعاون الرباعية مع حكومة الوحدة .

 خامسا : إن الموقف الأمريكي الرافض لحماس و الداعم لعباس يشهد تراجعا واضحا , و مأزقا كبيرا في العراق إضافة إلى أن أمريكا تحاول تبريد بعض الجبهات الساخنة لمواجهة الجبهة الأكثر خطورة و هي الجبهة الإيرانية . و قد بدأت بمثل هذه الخطوات في الصومال حيث بدأ بنسج خيوط للاتصال مع المحاكم الإسلامية . و يبدوا أنها ستسعى لمثل هذا الإجراء في فلسطين و إن لو تعلن ذلك و ستبقي تملي شروطها على الحكومة الفلسطينية لابتزاز المزيد من المواقف .