انقلب الصيام في أيامنا إلى موسم لزيادة الوزن، وانقلب النظام الكوني فأصبح النهار سباتاً، والليل معاشاً، وطيراناً في سرعة السيارات مخيف، ولكن لا يقول أحد عن هذا الأمر إنه بدعة.
أما المحطات الفضائية فتخلب الألباب في المسابقات والمسلسلات وحفلات الرقص أو جنون السياسة، بعد أن ودع الإنسان الكتاب والقراءة، وانقلب إلى عالم المشافهة والصورة، ونحن نعرف أن إنسان الكهوف كان يعتمد الصورة، ولم يكن يعرف الكتابة، وأن الحرف تم اختراعه منذ خمسة آلاف سنة لا يزيد، وأن كل العلم والمعرفة والإنجازات المدهشة لم تكن لتتم لولا الكتابة، وهذه فلسفة مهمة أن نعرف معنى الكتابة والحرف في تاريخ الإنسان. بل دلالة الأحرف في أوائل السور مثل الم .. كهيعص.. طسم.. تلك التي احتار المفسرون في دلالتها، وهي من أسرار القرآن الكبرى، ولا يستطيع أحد الزعم بمعرفة معناها والإحاطة بأسرارها، وهناك من حاول أن يدمج الحروف جميعا الواردة في مقدمات السور ليستخرج نظرية أنها الحروف التي يمكن أن تتخاطب بها الكائنات بين الكواكب وعددها 14 حرفاً. ولنتصور كتابا باللغة الإنكليزية أو الألمانية يستفتح نصوصه بأحرف جامدة، كيف سنفهم دلالة هذه الأحرف؟ إن أهم ما في الحرف أنه بداية الكتابة، فلم تكن الكتابة لتبدأ قبل صياغة الحرف الصوتي والجامد، ولولا الكتابة ماحصل تراكم معرفي ونمو ذاكرة عملاقة للجنس البشري. وبالتالي فإن إشارة القرآن للحرف تحمل المغزى العميق عن معنى الذاكرة الجديدة في الكتابة.
وحديثنا له علاقة بموضوع إقبال الناس على برامج المحطات الفضائية وقضاء ساعات طويلة خلف شاشة التليفزيون في رمضان يحدقون إليها وهم لايبصرون. هي أقرب للتسلية، وإن كانت هناك برامج تثقيفية، ولكن الكتاب يبقى هو مصدر بناء العقل وهو القلم الذي أقسم به القرآن نون والقلم وما يسطرون.
مع هذا تجب الإشارة إلى مجموعة من العادات الجيدة التي يعتادها الناس من ارتياد المساجد، والعبادة وصلاة التراويح الطويلة التي يحرص كثيرون فيها على قراءة القرآن كله. ونحن نعلم عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن جبريل كان يدارسه القرآن كل عام في رمضان، وفي السنة التي قبض فيها -صلى الله عليه وسلم- دارسه مرتين، والله أعلم، وهو يقول الحق، ويهدي إلى سواء السبيل.


