كنا نقول سابقاً إن العمل الجيد يتكلم عن نفسه ولا داعي لأحد كي يروج وينظر ويدعو له , لكن الآن انتفت هذه القواعد , ولم تعد أسمى أفكار الأرض وأطهرها قادرة على الانتشار لوحدها ,بل تحتاج لمساعدة وآليات وخطط ... ومن أهم الأمور المساعدة للحق كي يسود وينتشر ويقنع الناس هي القوة .
فالحق يحتاج لقوة تحميه, والقوة من حقها أن تمارس بشكل علمي ومنهجي وسليم دون ظلم أو تعدٍ على الآخرين . والقوة مفهوم شامل غير قاصر على نمط معين , لها أصولها في الإعداد , ولها طرقها في التنفيذ , ولها المخرجات والنتائج التي يُقاس من خلالها النجاح والفشل . ولم أقرأ أن سلوكا بشريا نجح بدون المفهوم العام للقوة وتغير مقوماتها الدافعة لتحقيق الأهداف والأمنيات . ونقصد بالمفهوم الشامل للقوة : قوة العقيدة والإيمان التي توفر الدافع للتضحية والبذل والعطاء والصبر على العمل , وقوة الجماهير ووحدة الناس حول فكرتهم, ومنهجهم وبرنامجهم , وقوة الإعلام الذي يلعب الآن دور الهدم والبناء ,وقوة المال والاقتصاد لتوفير مقومات الإنفاق والتجهيز ,وقوة العلاقات الخارجية وصناعة المواقف التي تفرض احتراما مع الآخرين , وقوة السلاح وامتلاك فنون القتال وأحدثها ...
وأعتقد أن هذه المجالات المتعددة مرتبطة ببعضها البعض , وغياب مجال محدد يصنع خللا في المعادلة , كما أنني مؤمن أن العالم اليوم لا يحترم إلا الأقوياء , أما الضعفاء حتى لو ملكوا الحق وفق قواعد القانون الإنساني والدولي فإنهم سيُسحقون .
الشعوب العربية صنعت ثورة ضد أنظمتها الظالمة , وقال بعض الثوار إن الربيع العربي نجح في إزاحة الرأس ولم يفلح في تطهير الجسد , إضافة إلى افتقار الثورة لمفهوم القوة الشاملة , لذا نجد هذه المشاهد الميدانية , والارتدادات المتحركة , والبطء في التقدم , وسيطرة كلاليب الفشل والتعطيل . فعلينا الإدراك والفهم أن الدروس الإنسانية المُتعاقبة تُشير إلى أن الحق أيا كان مستواه يتطلب سياجا شاملا من القوة للحفاظ عليه , وأن العالم لا يعرف ولا يعترف إلا بالعظماء بحقهم وبقوتهم .


