ما من شك أن قضية البرنامج الذي بثته قناة الـ MBCمؤخرا قد أشغل الرأي العام العربي والفلسطيني على وجه الخصوص، فما من سياسي أو مثقف أو مواطن عادي إلا تفاعل مع القضية، وإن كانت لا تعدو كونها برنامج ربحي اقتصادي يخدم القناة ذاتها ومن خلالها تمكنت من جني أرباح مالية ضخمة تُقدر بملايين الدولارات، هذا عدا الهدف غير المُعلن من وراء تنظيم هذا البرنامج والمتمثل في إشغال الرأي العام العربي عن قضاياه المصيرية في قضايا تافهة لا تمثل أي وجود على الخارطة العقلية لأي عاقل يسعى للدفاع عن وطنه وقضيته. إن ما زاد من المد والجذر في تأييد أو رفض المشاركة الفلسطينية في البرنامج هو إدخال بعض السياسيين أنفهم في برنامج تافه لا يخدم إلا القناة ذاتها، وكان الأولى بهم البحث عن قضايا حساسة تهم القضية الفلسطينية بدلا من البحث عن التوافه، لكن يبدو أن رئاسة السلطة تمتلك إصراراً عجيباً على نزع المواطن الفلسطيني من ثوابت قضيته.عساف
وأمام هذا البرنامج، وهذا ما يهمني بدا الإسلاميين منقسمين تأييدا أو رفضا للمشاركة الفلسطينية، وظهرت أسماء لامعة في هذا الإطار- كما تعتبر نفسها على الأقل- منهم نواب تشريعي ومحاضرو جامعات ومثقفين وصحفيين وغيرهم، الأمر الذي أصاب الإسلاميين الثابتين على مواقفهم الرافضة بإعطاء هذا البرنامج ذلك القدر من الاهتمام بغصة في أنفسهم، كون الإسلامي- باعتقادهم- ينبغي أن يكون متميزا عن غيره، ولكن من وجهة نظري فأنا سعيد كثيراً لما رأيت من حجم المتابعة والتشجيع لهذا البرنامج وذلك التأييد من بعض الإسلاميين- رغم الغصة التي لا تزال في حلقي لتجاهل قضايانا المصيرية لصالح توافه لا نملك فيها ناقة ولا جمل- ومنبع سعادتي يتلخص في التالي:
1- البرنامج التافه أظهر حالة من غياب الوعي لدى جمهور واسع من الشعب الفلسطيني، وهذا الأمر يتحمل مسئوليته الإسلاميين وبخاصة حركة “حماس” في تثقيف الجيل وجعله يعيش واقعه ومعاناة وطنه، فالمطلوب منها- خاصة وأنها التي لا تزال محافظة على الثوابت الفلسطينية- حشد هذه الجماهير حول قضاياها الوطنية والمصيرية كما حشدها ذلك البرنامج التافه؛ لأنه كما تيار التنازلات بقيادة “عباس” يدمر القضية الفلسطينية، فالمفترض من “حماس” أن تقوم بالدور المطلوب تجاه القضية الفلسطينية من خلال مراجعة وسائلها وأساليبها والنجاحات التي تحققها من عدمها.
2- البرنامج التافه كشف بعض المتسلقين في حركة “حماس” من الذين يعتبرون أنفسهم “مثقفين” أو “متنورين”، وبالتالي فالواجب دراسة الأسباب التي دفعتهم لهذه التصرفات، ومعالجتها كل حسب ما قام به، والحساب ينبغي أن يكون مناسبا لحجم التصرفات غير اللائقة والهابطة من بعضهم. كما أن كشف هذا الصنف من المتسلقين في الحركة يدعو- كما ظهر من أبناء الحركة الرافضين للبرنامج خلال النقاشات عبر مواقع التواصل الاجتماعي- لتحجيم هذه الفئة عن مواطن الدفاع عن القضية الفلسطينية، ما دامت من الممكن أن تصل لهذه الدرجة من الانحدار.
3- أنا سعيد جدا، أن البرنامج رغم أنه تافه إلا أنه أظهر القيادات الفلسطينية على حقيقتها- وأقصد بالقيادات النواب والمثقفين والقيادات الحكومية وغيرهم من صناع القرار-، فمنهم من ظهر بأن الطفل الفلسطيني أكثر منه وعيا ومسئولية وثقافة، ومنهم من بقي ثابتا رغم هذا السيل من المغرر بهم من قبل تلك القناة أو الذين انزلقوا من الفلسطينيين. وبالتالي فهذا الأمر يعود بالفائدة الكبيرة على الفلسطينيين في المستقبل، فالذي انجرف مع التيار المفترض أن تتجاهله القافلة الفلسطينية الباحثة عن حقوقها ولا تتوقف عنده أو تحمله فيها؛ لأنه لا يستحق هذه المكانة العظيمة.
إن البرنامج التافه الذي بثته قناة الـ MBCيوضح بما لا يدع مجالاً للشك بأن المسار الفلسطيني بحاجة إلى تصحيح قبل فوات الأوان، فالانحراف بدأ منذ زمن، لكن جاء البرنامج كمنحة ربانية للمخلصين ليبين لهم الحقيقة التي غابت عن عيونهم فترة من الوقت، وهي منحة المفترض أن يتقبلها الإسلاميون بكل نفوس سعيدة ومطمئنة، لتكون بذلك سعادة في عكس التيار.

