الإثنين 05 يناير 2026 الساعة 09:00 ص

مقالات وآراء

المنقذ من الضلال

حجم الخط
د. خالص جلبي

سُمِّي بحق (حجة الإسلام) فهو كتب في حياته 280 كتاباً يتعجب فيها الإنسان من قدرة الإنجاز، مع أنه اعتزل الكتابة عشر سنوات، ولم يخرج بعدها إلا بكتابيه المنقذ من الضلال، وإحياء علوم الدين، كما أنه مات صغيراً عن 55 عاماً فهو ولد عام 450 هجرية ومات عام 505، وكان ذلك في بدايات الاجتياح الصليبي للمنطقة. هذا الرجل المبدع مسح الفكر المعاصر له مثل الرادار؛ حيث عرض لكل المدارس الفكرية والاتجاهات التي كانت تسود عصره، وكانت أربعا: الباطنية والفلاسفة والمتصوفة وعلماء الكلام.

 

يقول إنه كان يستفيد من الوقت بعد أن ينتهي من تدريس طلابه فعكف ثلاث سنين بحيث مسح الفكر المعاصر له. وفي النهاية قام بحركة فكرية يتعجب منها المرء؛ مثل لو أن مفكراً اطلع على الماركسية ثم وضع في النهاية كتاباً ليس لنقضها بل لشرحها، بحيث يصبح مرجعاً أكاديمياً لمن يريد الاطلاع على الفكر الشيوعي.

 

حتى إذا انتهى من هذا العرض قام بهدم البناء على رؤوس أصحابه فكتب (تهافت الفلاسفة).

في الواقع ليس من العدل والقوة أن تعرض فكر الخصم هزيلاً مضعَّفاً ثم تقوم بالهجوم عليه، بل يجب عرضه كما يريده صاحبه تماماً.

 

يقول الغزالي حتى نرد على فكر ما، يجب أن نطلع عليه ليس كما وصل إليه صاحبه فحسب؛ بل يجب أن نزيد عليه درجة، ثم نقوم بإظهار الفساد الذي قام عليه لو كان فاسداً.

 

وفي الواقع فإن العمل العقلي من هذا الطراز لا نتحلى به اليوم بسبب التعصب وعدم النضج العقلي الذي نعيشه.

 

وشرح المفكر مالك بن نبي الرحلة العقلية للإمام الغزالي وقال عنها: لقد بدأ جباراً في خطواته، ولكن النهاية التي انتهى إليها ليست بشيء؛ فهو يقول أمام رحلة الشك وكيف حل تناقضاتها إنها نور قذفه الله في القلب، عندما شعر أن طريق التصوف لا يقوم على الحجج البرهانية بل (السلوك) وهذا يقوم على تجربة شخصية بحتة، وليست حججا عقلانية يمكن أن يستفيد منها كل واحد.