إيراسموس فيلسوف إنساني أولعت به منذ أمد بعيد وتمنيت أن أكتب عنه بالتفصيل إرشاداً لمن يقرأ لي بالاطلاع على هذا الرجل الذي عاش قديماً وكان إنسانياً في توجهه. وهو في ثقافتنا العربية مجهول، والمجاهيل أكثر من رمال عالج عند قوم أميين، ودّعوا القراءة منذ أيام ابن خلدون، وتحوّلوا في عصر الفضائيات إلى إنسان الكهوف الذي يتعلم مشافهة وبالصورة. وإيراسموس كان يتكلم كمن له سلطان. والفلاسفة أولاد علات، أمهاتهم شتى وأبوهم واحد، وهم من الذين أنعم الله عليهم، يعيشون في غمرة سعادة لا توصف، وروح دهشة طفولية لا تفارقهم، واليوم ينفتح العالم كله على بعض استجابة لنداء إبراهيم الخليل، وحسب مالك بن نبي المفكر الجزائري فإن «من يدخل العصر وهو غير محيط بإضافات المعرفة الإنسانية سوف ينال السخرية».
وابن تيمية كان متمرداً على أفكار عصره، وسابقاً لفكر زمانه، وضُرِب من أجل أفكاره، وطارت عمامته وهو يساق بالقوة من المنبر للتعزير، ولو بعث في أيامنا لضرب من جديد، هذه المرة على يد من ينشر كتبه ويعيد طباعتها.
والأنبياء ضربوا واتهموا بالسحر والكذب والجنون والكهانة بنفس الآلية النفسية. والعولمة بمعناها اللغوي هي اتجاه القرآن، ونداء الأنبياء، ومصير الإنسانية، ونهاية الرحلة الأنثروبولوجية، وهي حركة الكون. وكل خطاب القرآن كان معنوناً للناس أو المؤمنين: يا بني آدم . يا أيها الناس. يا أيها الذين آمنوا. ولم يكن الخطاب قومياً أو عنصرياً أو حتى للذكور.
واعتبر القرآن أن الله خلق الإنسان من ذكر وأنثى وجعلهم شعوباً وقبائل ليتعارفوا، وعندما تحرك الإنسان الأول من شرق إفريقيا قبل 200 ألف سنة وهو الإنسان الثقافي، فوصل إلى الشرق الأوسط قبل 65 ألف سنة، وتابع سيره على الأقدام عبر أوروبا، وانتهى قبل 12 ألف سنة في الأمريكيتين. وكان التواصل مستمراً ومنقطعاً على شكل كوانتوم بشري، عندما كانت الوحدات الحضارية تنشأ، ولا تعرف عن بعضها شيئاً كما في حضارة الصين والإنكا.
والعولمة حركة كونية مثل تساقط الورق في الخريف، واخضرار الأرض في الربيع، أو البرد في الشتاء. وكما في الرياضيات في علم (التفاضل والتكامل) فإن (البيولوجيا) تتكامل من خلال عمل ضفيرة من الأجهزة. كذلك يتكامل البشر في المجتمع من خلال تنوع الاختصاصات. وكذلك تتكامل المجتمعات فتنفتح على بعضها البعض. والله يعلم وأنتم لا تعلمون.


