الأربعاء 31 ديسمبر 2025 الساعة 12:47 ص

مقالات وآراء

ذكريات سوداء

حجم الخط
د. خالص جلبي

في عام 1967م وفي أيام حزيران الحارة استعددت للامتحان أيما استعداد لأتبين أنه مضيعة للوقت. إنها أعجوبة أن تدرس وتحصل وتعيش في سوريا إلا أن تكون نباتا. غريب وكيف؟ افتح كتاب النبات وادرس وظائفه جيدا حينها قد تعيش بأمان؟ ولا أمان لطير وعشب ويعسوب وفرخة. هل يتنفس النبات؟ الجواب نعم. إذن تنفس. هل يتحرك النبات؟ الجواب يحركه الهواء. إذاً انتظر أوامر الحزب والرفيق القائد أن تتحرك في التظاهرات على وقع أنغام المخابرات فترقص وتقفز بأفضل من قرود الأورانج أوتان. هل يفكر النبات؟ الجواب لا. انتبه إذن من أي لون من التفكير ففيها الهلاك المبين. هناك من يفكر بالنيابة عنك. إنها أسطور برومثيوس ليس في أساطير اليونان بل دفاتر البعث الأسدية. النار المحرمة.

 

نار المعرفة فتكوى بها جباههم وجلودهم وجنوبهم هذا ما جلبتم على أنفسكم من خطورة التفكير والمراجعة. ولكم الويل مما تصفون أن يتجرأ عقل فيتنفس؛ أو مجموعة فتنظم نفسها. أو حقوقي فيعترض. أو قاضي فيقول لا… إنها المحرقة الأسدية الكاملة. يراها الناس اليوم في التلفزيون صوراً، أما نحن فعشناها بالأسى والدموع والحطام والموت وانقطاع الأمل، وكذلك اليوم تُنسى. في غابة الأسد وارد فيها أن يقفز على كتفيك قرد بابون، أو يلسعك عنكبوت سام، أو تضغط ذراعيك على حين غرة أفعى الأناكوندا، أو تقف فجأة في مواجهة فهد شارد تلمع عيناه مثل الجمر في ظلمات الليل. في ذلك الصيف كانت مادة التشريح في انتظاري. -رحمه الله – الأستاذ (فايز المط) جاء إلي في المادة وأنا أكتب. قال لي الشباب بانتظارك.

 

لمحت من بعيد عناصر المخابرات أمام لجنة الامتحان يتربصون وينظرون إلينا بغرابة وحسد نحن من يحصل العلم فهم لا يعرفون إلا الدولاب والفلق والجلد والهرس والتقارير السرية وحاضر سيدي؟ في تلك الأيام كان هناك نوع من الاحترام لتقاليد الجامعة. في مدخل الكلية ربت ذو شوارب على كتفي: أخ خالص شرّف معنا؟ أعرف أنا معنى حفلة التشريف هذه؟ وكم تدوم؟ هربت بأعجوبة واستمرت مطاردتي حتى سمعنا سقوط الجولان وهزيمة العجل الناصري وضياع القدس. في تلك الأيام حصلت كارثة 1967. كانت المكافأة سخية للعجل الناصري الفاشل، وقفز الأسد من وزير دفاع إلى رئيس جمهورية مدى الحياة. إنها ذكريات سوداء من تاريخ مظلم.