الأربعاء 31 ديسمبر 2025 الساعة 12:47 ص

مقالات وآراء

حرب الأيام الستة

حجم الخط
د. خالص جلبي

في عام 1967م كنت مطارداً من المخابرات الأسدية. هذه المرة من فرع الأمن السياسي. ولأن فروع التنين الأمني تشبه الأخطبوط فلا تعلم نفس ما أخفي لها من مفاجآت؟ وبأي ذراع من أذرع الإخطبوط سوف تسقط. استفاد الأب الأسد من الستازي الألماني وكي جي بي السوفييتي جيداً فرتب سوريا على أساس أن يحول الطين رملاً؟ سوريا تربتها طينية متماسكة من شعب متحضر يعرف كيف يعيش؛ فحول الأسد سوريا إلى صحراء لا ضرع فيها ولا زرع، مثل حبات الرمل لا تلتصق حبة رمل بأختها.

 

قتلوا كل خلية حية ونورون يعمل. (النورون هو الخلية العصبية في الدماغ) كنت في الصف الثاني من كلية الطب. أذكر من تتابع الاعتقالات كلها تقول لي لم يبق الوطن وطناً، بل سجن كبير، يضم مسكيناً ويتيماً وأسيراً وفقيراً ذليلاً. صبرنا وقاومنا. في البكالوريا قبل الجامعة ذقنا مرارة السجن. كانت قبل الامتحانات مباشرة، وكاد الفحص المصيري أن يضيع عليّ. مع ذلك نجحت وكنت الأول في المحافظة. حصل هذا بجهد لم أبذله في حياتي حتى اليوم. كنت صبوراً دؤوباً وعرفت أنه لابد من هذه القفزة الكبرى ونجحت. في السنة الأولى من كلية الطب ضمنا السجن مرة أخرى. هذه المرة دخلنا معتقلاً رهيباً شاعت سمعته وذاعت رهبته. إنه سجن المزة العسكري. بنته فرنسا للأحرار، وتبناه البعث من جديد للأحرار؛ فأدخل إليه أعداداً لا حصر لها من الخلائق والتوجهات والشخصيات. أذكر السجن الرمادي هذا جيداً.

 

في المدخل صفعونا كفاية وآية قرآنية تستقبلنا: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}. كلمة حق أريد بها باطل. أذكر جيداً من القرآن لعبة التغابش (لبس الحق بالباطل). في القرآن سورة اسمها التغابن. غرقت فيها قبل أيام تظهر يوم القيامة حين يدعى كل فريق إلى كتابه. في الصف الثاني من كلية الطب اشتغلت التقارير السرية من جديد ضدي. جيش من المخبرين السريين منتشرين في كل زاوية، بأشد من سراق الزيت (الصراصير) والنمل. حقيقة أنا أتعجب من نفسي كيف تابعت الدراسة والتحصيل؟ في هذه الظروف الجهنمية كنا شهداء على كارثة حرب 1967 التي خطاها العجل الناصري فسقط له خوار. فخرجت جموع مليونية تعيده إلى الكرسي بعد الهزيمة. تذكرت بني إسرائيل حين قالوا لهارون «هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ». ماذا نسي؟