في الوقت الذي كان الانكشارية يحاصرون فيينا عام 1683م كان نيوتن يكتب الأسس الرياضية للفلسفة الطبيعية، وكان جاليليو يقوم بتجاربه على السرعات، ويطُوَّر التلسكوب والبارومتر والمجهر على يد آخرين، وإذا كان «طنين الذبابة» عند أذن ديكارت أوحى له بـ «الهندسة التحليلية» في مجالس «مارين ميرسين» في بورت رويال في باريس، وسقوط «التفاحة» أوحى إلى نيوتن بقانون «الجاذبية»، وإبريق الشاي الذي يغلي أوحى إلى دينيس ببان بفكرة «قوة البخار»، وعضلات الضفدع إلى جالفاني بفكرة «الكهرباء»، فإن العقل الإسلامي كان قد ختم على نفسه بالشمع الأحمر. وأصيب العقل المسلم بحالة «استعصاء تاريخية» لم يتعافَ منها حتى الآن، وهي حالة الشلل العقلي الذي أدخله الليل الحضاري، ليدخل في «دارة معيبة» يؤثر كل طرف على الآخر سلباً، بين «العطالة» العقلية و«العجز» الحضاري.
إن الفوضى الاجتماعية في العالم الإسلامي هي «فوضى عقلية» قبل كل شيء، وإن التنظيم الألماني المدهش هو عقل هيجل الممتد المنبسط على الأرض، لذا فإن أعظم عمل يمكن أن ندشنه هو تفكيك العقلية الإسلامية، لمعرفة الآليات المسيطرة عليها، تلك التي أعطبتها العطالة.
ولعل أكبر نكبة مُني بها العقل العربي هي مرض «الآبائية» (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون) مع كل هذا التكثيف من القرآن على خبث هذا المرض العقلي.
يذكر ابن كثير في تفسيره واقعةً لافتةً للنظر عن صحابي أُصيب بالدهشة عندما أخبره النبي عن حدث مروع سوف يطال المجتمع الإسلامي فيتبخر منه «العلم»! فلم يستطع الصحابي تصور ذلك، طالما كان القرآن بين يدي الناس يقرؤه كل جيل، وينقله إلى الآخر: «ذكر النبي شيئاً فقال: وذاك عند ذهاب العلم. قلنا يا رسول الله وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونُقرئه أبناءنا، وأبناؤنا يُقرئونه أبناءهم إلى يوم القيامة؟ فقال: ثكلتك أمك يا بن لبيد، إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة. أو ليس هذه اليهود والنصارى يقرأون التوراة والإنجيل ولا ينتفعون مما فيهما بشيء» ذكره ابن كثير في تفسير الآية 66 المائدة وصححه.
هذه الواقعة تقول إن العقل حينما يتعطل لا يستفيد مما حوله بشيء.


