الجمعة 13 فبراير 2026 الساعة 06:35 م

مقالات وآراء

بداية السقوط

حجم الخط
د. خالص جلبي

مع كتابة هذه الأسطر تأتينا الأخبار عن صراع يحدث في القصير بسوريا، وهو امتداد لذلك التشقق الذي حدث يوما في معركة صفين، ولكن هذا التشقق تابع طريقه آخذا معه العالم الإسلامي إلى حفرة الانهيار. كان أولها في الجناح الغربي مع انهيار دولة الموحدين والثاني في المشرق.

 

وإذا كان الجناح الغربي للعالم الإسلامي قد سقط في منتصف القرن الثالث عشر الميلادي، فإن كارثة أشد ترويعاً حلت بالعالم الإسلامي في جناحه الشرقي، وبفارق أقل من عقد واحد من السنين؛ فبعد ثماني سنوات فقط من سقوط إشبيلية، التهمت المحرقة المغولية الرهيبة الزاحفة من الشرق (بغداد) رأس الخلافة الإسلامية عام (1256) م، (لاحظ سقوط قرطبة عام 1238م وإشبيلية عام 1248م) فاغتصبت لؤلؤة الشرق، ودمرت المدينة، وذُبح مليونان من السكان، وأحرقت المكتبات، وضاعت العلوم والكنوز التي جمعها العالم الإسلامي في أربعة قرون على يد البرابرة في أربعين يوماً من الاستباحة الكاملة؟!

 

وبذلك سجل التاريخ سقوط (جناحي) العالم الإسلامي في منتصف القرن الثالث عشر للميلاد، وسجل ابن خلدون هذه الظاهرة، عندما قرر أن الخمول والانقباض قد حل بالمشرق كما حل بالمغرب.

 

جاء في المقدمة: (وجاء للدول على حين هرمها، وبلوغ الغاية من مداها، فقلص من ظلالها، وفل من حدها، وأوهن من سلطانها، وتداعت إلى التلاشي والاضمحلال أموالها، وانتقض عمران الأرض بانتقاض البشر، فخربت الأمصار والمصانع، ودرست السبل والمعالم، وخلت الديار والمنازل، وضعفت الدول والقبائل، وتبدل الساكن، وكأني بالمشرق قد نزل به مثل ما نزل بالمغرب، لكن على نسبته ومقدار عمرانه، وكأنما نادى لسان الكون في العالم بالخمول والانقباض، فبادر بالإجابة، والله وارث الأرض ومن عليها، وإذا تبدلت الأحوال جملة؛ فكأنما تبدل الخلق من أصله، وتحول العالم بأسره، وكأنه خلق جديد، ونشأة مستأنفة، وعالم محدث).

 

كلام ابن خلدون كان عام 1402م وهي نقطة انفصال العالم الإسلامي التدريجية عن الإنتاج المعرفي والانفصال عن حركة التاريخ.