الجمعة 13 فبراير 2026 الساعة 06:35 م

مقالات وآراء

صيرورة الحضارة

حجم الخط
د. خالص جلبي

ما نراه هذه الأيام في القصير يعود إلى زمن بعيد حين انحرف مخطط الحضارة عند نقطة صفين، ويمكن أن نستعير تشبيه المفكر الجزائري (مالك بن نبي) في المخطط البياني الذي رسمه للعالم الإسلامي ويعتبر أن نقطتين تسيطران على مجرى صيرورته: الأولى : ويعتبرها نقطة (توقف) وهي المتوافقة مع معركة (صفين) عام 34 هـ. والثانية: وهي بداية (الانهيار) وهي المتوافقة مع فترة ابن خلدون، في نهاية القرن الرابع عشر الميلادي، المتوافق مع نهاية القرن الثامن الهجري. في الأولى توقفت فيها الروح عن الصعود وسيطر فيها العقل، فاستمر العالم الإسلامي في اندفاعه بزخم الوثبة الروحية الهائلة التي فجرها الإسلام في الجزيرة العربية، وفي الثانية تحررت الغريزة من إسار الروح والعقل بالكلية فتدمر العالم الإسلامي، لأن هناك بالعادة تناقضا بين الروح والغريزة. يرى مالك بن نبي أن معركة (صفين) لم تكن مجرد معركة عسكرية بسيطة حقق فيها طرف انتصاراً على طرف أو بالعكس، بل كانت (انعطافاً) في مسيرة الحضارة الإسلامية، و(انقلاباً) لسلم القيم، ويشهد لانقلاب (منظومة القيم) هذا قول عقيل بن ابي طالب: (إن صلاتي خلف علي أقوم لديني وحياتي ومع معاوية أقوم لحياتي)، في حين أن (منظومة القيم) كانت قبل ذلك أن الحياة كلها لله (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين)؛ فهنا نلاحظ حدوث (فصام) في شخصية الإنسان المسلم (ظاهرة الشيزوفرينيا) التي لم يعاف منها حتى اليوم.

 

هذا الانشقاق المروع في عالم صفين أفرز ثلاثة عوالم: عاَلم عقلاني، وآخر انتهازي، وثالث دوغمائي، العقلاني يخسر معركة تقرير المصير بالتدريج، والانتهازي يملك مقود التوجيه، والدوغمائي يدمر نفسه ومن حوله بآلتي العنف والجمود العقلي. وسوف يكتب مصير العالم الإسلامي بعدها أن يتشرب العنف، فيعجز عن حل مشكلة نقل السلطة السلمي بعد فترة الحكم الراشدي، الذي اتفق العالم الإسلامي كله على منحه هذا اللقب، فلم يعد (رشدا) بعد الحكم الراشدي، بل تحول التاريخ الإسلامي برمته إلى مسلسل لا ينتهي من قنص السلطة الدموي؛ ففقدَ العالم الإسلامي الرشد، وفقد الأمانة والأمن الاجتماعي، ودخل في مذهب الغدر حينها توقفت الحضارة الإسلامية عن النبض والخفقان.