من بطن الغول التي سميت بذلك لقدر ما ابتعلت من البشر التائهين في الصحراء، ومن صحارٍ كثيرة لونته شمسها بسمرة حارقة، ولفه ترابها من رأسه إلى أخمص قدميه وعالج عقاربها وحيّاتها واكتوى بلدغها وسمها، ولكن نفسه ظلت رقراقة عند الزوجة والعائلة، وكان كلما كتب لهم من الغربة يتمثلهم فردا فردا وكأنهم في أحضانه7-9-1971»الحبيبة الغالية، رفيقة الدرب، وصديقة العمر العزيزة، يا ملهمتي في الشعر والنثر، قبلاتي إليك، وسلاماتي الحانية إليك أولادي الأحباء عقيل وطارق وبشير الحبيبات العزيزات وفاء ورفقة وفادية وفاتن وهالة وهيام، كل عام وأنتم بخير بمناسبة حلول شهر رمضان، وأرجو يا أم عقيل أن تكوني قد استعددت لرمضان من أجل الشباب والصبايا بالتجهيزات للبيت والصلاة وقراءة القرآن والدعاء لنا جميعا، وكان الله في عونك وكتب الله لك ثواب تعبك وتقبل منا أحسن القبول، واني أتخيلك في كامل نشاطك ساعات ما قبل الإفطار وأنت تحضرين الطعام بنفس طابت وعذُبت في خدمتها لأبنائها وبيتها فهنيئا لك البيت وأبناؤه وبناته ورجله، وأرجو الله أن يكتب لي مشاركتكم الجزء الأخير من رمضان»ورسائل ورسائل لم ينقطع عنها جدي طوال فترة غربته بذات النفس المحب المشفق مهما كانت أحواله، وبذات الحب والشغف والعهد والوعد لزوجته بعد خمسة وعشرين من الزواج، وتسعة أولاد وبنات بينهم وعيت على مودتهم في السبعينات من عمرهم أي في خريف العمر، ولكني رأيتهما كشقيقي الروح، ولما أُقعد جدي وكانت جدتي تتأخر في شراء الأغراض كان يغضب ويضع يده على خده حتى ترجع فيتألق وجهه وتدب فيه الحياة من جديد رغم السن والمرض، وتبرق عيونه كما لو كانت تجري بدموعها، وظلت هي تعنى به كما لو كان شابا قويا فظلت تلبسه أجمل الثياب وتعطره بأرقى العطور، ومات بعد أن صلى وأطعمته طعام الغداء فكان آخر عهده بالدنيا لقمة من يدها...أخذها ابنة نائب ودارهم ديوان وكرمها كما كانت في دار أهلها، وحفظت هي عهده وغيبته وغربته في نفسها وبيتها وأولادها، كان مستقيما وصارما في عمله كالألف وكان نهرا عذبا سحا غدقا على أهله، هي أشياء قد يستصغرها جيلنا فماذا تعني الرسائل ووسائل التواصل الآن لم تعد تترك مجالا للناس أن يشتاقوا لبعضهم، والحضور من أصقاع الأرض يكون بالصوت والصورة وحتى التعارف والزواج والعقود أصبح الكترونيا! ولكنه زمن الحركة بغير بركة، وزمن المظاهر بلا مخابر، وزمن الرجولة بلا رجال، والعقود بلا ذمم!كان الرجال قديما أصحاب نخوة وذمة وأمانة وكان يربطون من لسانهم وكانت كلمتهم ميثاقا، كانوا لا يتقنون الخداع ولا التلون، كانوا يطلبون الحلال والسترة وكانت العروس نقاوة الوالدة وكان الجمال جزءا والأسرة والأصل جزءا، والأخلاق جزءا وكلها بذات الأهمية، كانوا يمضون حياتهم وتنحني ظهورهم وتذوب صحتهم في خدمة أسرهم دون منة، كان تحصيلهم من التعليم قليلا ولكن مدرسة الحياة علمتهم ما لم نتعلمه على مقاعد الدراسة في أرقى الجامعات، كان جزء منهم مسؤولا عن هزائمنا وخيباتنا التاريخية، ولكن أغلبهم صنع أيضا ثوراتنا وانتفاضاتنا المشرفة وصمد من بقي في الداخل ومن خرج ساهم في بناء الحضارة مع إخوانه العرب، أما رجال اليوم فكثيرون منهم يعاني بطالة الحال والأعمال وقلة البركة؛ فلا عمل ولا زواج ولا شهادة تنفع ولا غربة تغني، وإذا تزوجوا بعد طول عزوبية ينفرط عقدهم من أول سنة زواج، ونسب الطلاق في السنة الأولى بمئات الألوف، وما عاد الدين ضمانة لأي شيء اذا كان بلا أخلاق، والأخلاق بوصفها المائع في أيامنا لا تنفع من غير دين ووعي، والزواج أصبح بالحظ حتى مع المتدينين يا تصيب يا تخيب! ومعظهم يلعب بالزواج وبمواثيق الله الغليظة وببنات الناس كما يلعب الطفل بكرة القدم!أصبحت الرجولة انتفاخا وتضخما وخيلاء وقسوة حتى في البيت ومع أقرب الناس، أصبحت وجاهة وترفعا وتعززا وحقوقا ومطالبات فذهبت أعمدة البيت بفقدان المودة والرحمة والذمة والتواصل والالتزام، والتشديد على الرجال لأن النساء على الأغلب بالفطرة السليمة يستجبن للمعاملة الحسنة والكلمة الحلوة، ويصبرن على المر لو كان الطرف الآخر يستحق! وصدق الشاعر عندما وصف المرأة تقول:
وإنما نحن كالزرع لزارعينا ننبت ما قد زرعوه فينا قال أحد الرجال الحكيمين يوم سأله قريبه أين الرجال: كلهم خلف هذا السور وأشار الى سور المقبرة!وفي لقاء مع أم محمد الرنتيسي وصفت لنا أسد فلسطين زوجا وأبا، فعلمت أنه رحمه الله كان أيضا من رجال ذلك الزمن، زمن أتباع محمد صلى الله عليه وسلم، وزمن أجدادنا وأبائنا، وهذا «الموديل» لغلائه وعلو همته وندرة جبلته وطيب معدنه لا يعمر طويلا للأسف، ويترك الدنيا سريعا لرجال بأسماء الرجال بلا صنائعهم، ويتركنا نتطلع إليهم مثالا وقدوة كانت في يوم ما بشرا يعيش بين ظهرانينا. الواقع مؤلم ولكننا نتمسك كنساء بالبشرى بأن الخير باق الى يوم الدين، ونصادف بين الفينة والفينة أمثلة من النادرين، من القلة الخيرة التي تخفيها الكثرة الخبيثة. الحل يا نساء إذن؟! قليل من الواقعية وشيء من الخشونة وعدم العاطفية والمثالية، وكثير من الدعاء فقد كان الأنبياء والصحابة يسألون الله علف شياههم وملح عجينهم، وفي الوقت المستقطع اعملن على أنفسكن أيها النساء، وخذنها بالعلم والأدب والعمل لتصبحن طيبات فتستحق الواحدة طيبا مثلها، وإذا لم يكن من رزقكن الزواج فليست أخر الدنيا، فالزواج محطة للجنة قد نعبرها وقد لا نعبرها، ولكن المحطات الأخرى تنتظرنا ولا تقبل التفريط في انتظار الأحلام الوردية أوالمؤجلة التي قد تأتي أولا تأتي!نعم كان في الزمان القديم فرسان وكان منهم أبوعثمان النيسابوري الذي سئل: ما أرجى عملك عندك، فقال: كنت في صبوتي يجتهد أهلي أن أتزوج فآبى،فجاءتني امرأة فقالت: يا أبا عثمان، إني قد هويتك، وأنا أسألك بالله أن تتزوجني،فأحضرت أباها،وكان فقيرا، فزوجني وفرح بذلك، فلما دخلت إلي رأيتها عوراء عرجاء مشوهة، وكانت لمحبتها لي تمنعني من الخروج، فأقعد حفظا لقلبها، ولا أظهر لها من البغض شيئا، وكأني على جمر الغضا، فبقيت هكذا خمس عشرة سنة حتى ماتت، فما من عملي شيء هو أرجى عندي من حفظي لقلبها، كان في الزمان القديم فرسان وكان في زمان أجدادنا وآبائنا فرسان، وعسى الله أن يزيد فرساننا ويبارك فيهم على قلتهم، وعسى أن يعود ذلك الزمان من المثالية والكمال!.
