- لامية العرب للشنفرى يا ديمة
- من يا جدي؟
- الشنفرى
في الصف السادس الابتدائي أعطاني جدي قصيدة لامية العرب وأعطاني أسبوعا لأحفظها!
- الشنفرى!! وما هو أو ما هي الشنفرى يا جدي؟!
- الشنفرى من صعاليك العرب وسيدنا عمر بن الخطاب كان يوصي «علموا أولادكم لامية العرب فإنها تعلمهم مكارم الأخلاق».
- ما معنى صعلوك يا جدي؟ وهو قال: أولادكم وأنا بناتكم وكنت أظن في هذا تخلصا مناسبا، ولكن جحرة جدي أعادت الأمور الى نصابها وسكت واستقمت لأسمع الجواب عن معنى الصعلوك.
- الصعلوك يعني مثل روبن هود.
لا أدري لماذا اختار جدي هذا المثال، ربما أدرك أننا جيل بصري نشاهد أكثر مما نقرأ ولا بد أن حضرنا رسوم الأطفال التي تمثل الشخصية أو الافلام العديدة عنه وفعلا نجح في إيصال الصورة.
- وبشيء من «اللماظة» على رأي اخواننا المصريين ورغبة شديدة في التخلص من هذا الشنفرى الذي أرى من اسمه أن قصيدته لا تبشر بالسهولة قلت: يعني لص! وكيف سأجد مكارم الأخلاق في قصيدة كتبها لص؟!
- ليس لصا بل هو خارج عن قانون المجتمع الظالم وأقرب الى النبيل المتشرد.
- حملت الشنفرى راجعة الى البيت بطفولة الصف السادس والخوف والاحترام لجدي وقلت أجرب.
- لا بد أن جدي يمزح.. أكيد جدي يمزح.. ربما لو جاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب نفسه وضربني كفا أو بالدرة فلن أحفظ هذه القصيدة
لا بد أن جدي يمزح.. ما هذا؟ عربي ده يا جدو؟!
ولي دُونَكُمْ أَهْلُـون: سِيـدٌ عَمَلَّـسٌ
وَأَرْقَطُ زُهْلُـولٌ وَعَرْفَـاءُ جَيْـأََلُ
ثَـلاَثَـةُ أصْحَـابٍ: فُـؤَادٌ مُشَيَّـعٌ
وأبْيَضُ إصْلِيتٌ وَصَفْـرَاءُ عَيْطَـلُ
أوِ الخَشْـرَمُ المَبْعُـوثُ حَثْحَثَ دَبْـرَهُ مَحَابِيـضُ أرْدَاهُـنَّ سَـامٍ مُعَسِّـلُ
وَلَيْلَةِ نَحْـسٍ يَصْطَلي القَوْسَ رَبُّـها وَأقْطُعَـهُ اللَّاتـي بِـهَا يَتَنَبَّـلُ
دَعَسْتُ على غَطْشٍ وَبَغْشٍ وَصُحْبَتـي سُعَـارٌ وإرْزِيـزٌ وَوَجْـرٌ وَأفَكَلُ
لم أحسن لفظها لاحفظها أو أفهمها و ما زلت حتى الآن أجد صعوبة فيها.
ولكني كبرت لأعرف أن هذه الأبيات ليست التي عناها جدي ومن قبله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وإنما كانت أبياتا أخرى تدلل على كرم ونبل معدن النفس التي ترفض الظلم وتبتغي العدل حتى لو كان في ثياب صعلوك منبوذ لا أمير شريف
وفي الأَرْضِ مَنْـأَى لِلْكَرِيـمِ عَنِ الأَذَى وَفِيهَا لِمَنْ خَافَ القِلَـى مُتَعَـزَّلُ
لَعَمْـرُكَ مَا بِالأَرْضِ ضِيـقٌ على امْرِىءٍ سَرَى رَاغِبَـاً أَوْ رَاهِبَـاً وَهْوَ يَعْقِـلُ
وَإنْ مُـدَّتِ الأيْدِي إلى الزَّادِ لَمْ أكُـنْ بَأَعْجَلِهِـمْ إذْ أَجْشَعُ القَوْمِ أَعْجَلُ
وَمَـا ذَاكَ إلّا بَسْطَـةٌ عَـنْ تَفَضُّـلٍ
عَلَيْهِـمْ وَكَانَ الأَفْضَـلَ المُتَفَضِّـلُ
وَإنّـي كَفَانِـي فَقْدَ مَنْ لَيْسَ جَازِيَاً بِحُسْنَـى ولا في قُرْبِـهِ مُتَعَلَّـلُ
أُديـمُ مِطَـالَ الجُـوعِ حتّـى أُمِيتَـهُ وأضْرِبُ عَنْهُ الذِّكْرَ صَفْحاً فأُذْهَـلُ
وَأَسْتَـفُّ تُرْبَ الأرْضِ كَيْلا يُرَى لَـهُ عَلَـيَّ مِنَ الطَّـوْلِ امْـرُؤٌ مُتَطَـوِّلُ
وَلكِنّ نَفْسَـاً مُـرَّةً لا تُقِيـمُ بـي
علـى الظلم إلاَّ رَيْثَمـا أَتَحَـوَّلُ
حفظني جدي من الشعر قصائد فوق سني وعمري وفهمي وبعد مرضه وقعوده كان يطلب مني أن أسمعه البردة الشوقية ويظل يبكي لذكر الرسول صلى الله عليه وسلم حتى أشفق عليه.
مات جدي رحمه الله بعد أن شهد عرسي وكنت الوحيدة من أحفاده الذين شهد عرسهم، أثلجت الدنيا وعدنا الى بيت جدي ليراني جدي عروسا وأخرج من بيته ببركة ودمعة عين من كان يتيما في يوم ما فخدم امرأة عجوزا فدعت له «عسى ألا تجد مكانا تجلس فيه من كثرة ذريتك» وفعلا كنا نجتمع في بيته كخلية نحل لا نسمع بعضنا من كثرة الأصوات.
مات جدي وأورثني كتبه ومجلدات الشعر وكبرت لأعرف أن جدي والشعر والأدب ما عاد لزماننا فهو يشكل شخصية مغرقة في المثالية، متطرفة في العاطفية، محبة بلا حدود، معطاءة بطائية، صادقة بطيبة تصل حد السذاجة، وهذه المعطيات لا تصلح بتغير الأزمان والناس عندما يحتاج المرء أن يترك التصديق جانبا ويلبس عباءة الشك والحذر، عندما لا يؤمن حتى لأخيه لأن شعار الناس «خون ولا تأمن»، لأننا مقتنعون أن أبناء الحرام أصبحوا أكثر من أولاد الحلال ونمشي بهذه السياسة في حياتنا وبدل أن نتفاءل بالخيرين فنجدهم يطلع في وجوهنا السيئون لأن «اللي يخاف من القرد يطلع له»، وجميعنا يشكو من كل شيء حتى الراضي والمكتفي ينضم للشكوى مخافة العين!
الحكماء شربوا السم كما فعل سقراط, والفرسان ماتوا جميعا في البحث عن الكأس المقدسة, والعشاق لم يحصلوا في الحب سوى خفي حنين وماتوا أيضا!!
كنا وكنت بحاجة لشيء من الواقعية للتوازن والخروج من عالم الأحلام الى عالم الحياة وبدت أفكر أن لهذا ربما ذم القرآن الشعر فبعضه غواية عن واقع الحال يأخذك الى عوالم وأناس يصح وصفهم بلغتنا الان بالاقتراضية غير موجودين حقيقة، وكلما قرأنا تأثرنا واذا بحثنا في الواقع وجدنا النقيض لنعود بخيبة الأمل وكسر الخاطر وانهيار الاحلام فنحبط ونقعد عن العمل في انتظار المدينة الفاضلة والناس النبلاء!
أسمع من بعض البنات عن تأخرهن في الزواج ورفضهن قطار العرسان الذي جاء وعاد بالرفض مع أن فيهم المتوسط من الصفات الجيدة فأعرف أنهن يبحثن عن الفارس الذي قرأن عنه ولا يعرفن أن الفرسان أغلبهم ماتوا أو أصبحوا قصة في كتاب أو خلعوا ثياب الفرسان وعقروا الحصان ووضعوا أخلاق الفارس جانيا ودخلوا معترك الحياة التي تمشي بالفهلوة وكثير من المزاحمة في كل ميدان للبقاء في صراع الحياة
ولذا كانت نصيحتي لكل من تؤمن وتنتظر المثاليات وأعلاها وأنبلها في رسولنا وصحابته وأقلها في الشعر والأدب أن تخفض سقف التوقعات قليلا اذا أرادت ألا يفوتها قطار الزواج، فلكل زمان دولة ورجال وكلما زاد انتكاس الواقع زاد انتكاس الرجال فهم بالدرجة الاولى من يصنعون النصر في ساح المعركة وبمساعدة المرأة في ساح الحياة.
إذن يصح أن نقول إن كثيرا من الشعر كثيرا من القراءة الأدبية كثيرا من السذاجة والخيبة الأنثوية فاخشوشنوا يا بنات حواء واصحوا من الحلم
ولكن الفرسان كانوا حقيقة وموجودين في صورة رجال طيبين رأيناهم في حياتنا ليس منذ زمن بعيد بل في أجدادنا وآبائنا، فنعيش على أمل أن نعيش ذات التجارب ونقابل ذات الشخوص ونظل نتحلق حولهم كبارا وصغارا لنسمع قصص الماضي ونظل نبحث عن مثل الأب في العطف والأخ والعم والخال في السند والخالة والعمة في الدلال والمحبة على أمل ألا نصبح يتامى ومقطوعين من حب واحتضان وسند وعون عندما نخرج من أحضان هؤلاء الى بيوت أخرى، ومنا من لا يزال على صعوبة الزمن يجد ضالته بفضل الله ومنهم من يجد البلاء في الحياة الأسرية ويمضي الحياة بمفهوم التدحيل والتدفيش ويقول لنا الجنة!
عندما نطلق على شيء أنه من زمن سيدي وستي نعني بذلك وصفا سلبيا يحمل في طياته معنى القدم والتخلف والرجعية في مقابل تقدمنا وعلمنا ومعرفتنا وفهلوتنا وأساليبنا! ولكننا عندما نقارن أنفسنا بما حققوه في زمنهم ومعطياتهم وما تركوه من إرث نتصاغر أمامهم كثيرا، فما وجدوا وما فقدنا؟ وماذا كسبوا وماذا خسرنا؟ لماذا كان الرجال كثرة عددية ومعنوية ينشد بهم الظهر ويُكتب بهم التاريخ؟ ولماذا أصبح الرجال عددا ولا عدة ويقال للرجل في زمننا للمديح أنت رجل والرجال قليل؟
ماذا فقدت النساء في الرجال ولماذا نزلوا من عليائهم؟
