في عام 1979 وقعت الدول العربية على معاهدة سيداو التي أطلقتها الأمم المتحدة تحت العنوان الباهر «إلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة»، في وقت كانت الحكومات العربية كما هي الآن تستجدي الاعتراف، والانضمام تحت المظلة الدولية، وتحصيل المساعدات، ووقت كانت الشعوب العربية وما تزال غافلة عما يحاك لها في الظلام لضرب آخر قلعة صمود في حياتها؛ وهي الأسرة.
معاهدة ضد المرأة والأسرة العربية والمسلمة خصوصا، تزامن أو سبق توقيعها ولادة نساء وأمهات الجيل الجديد اللواتي لا يعرف معظمهن عن المعاهدة الدولية التي لن تبقى حبرا على ورق، ولا ورقا في درج تكسوه الغبار، بل ستدخل كل بيت وتؤثر فيى كل أسرة مهما حاولنا إحاطة أنفسنا بسياج من الحماية الدينية والاجتماعية.
وقد وُلدت معاهدة سيداو في سياق نسوي وأسري ينظر الى الرجل كعدو، وفي هذا يعرف الدكتور المسيري الحركة النسوية بـ»التمحور حول الأنثى؛ بحيث تكون الأنثى كيانا منفصلا عن الذكر، متمركزة حول ذاتها، وفي حالة صراع كوني تاريخي معه»، وقد نشأت هذا العداوة جراء عقود طويلة عانت فيها، المرأة الأوروبية خصوصا، من التهميش والحرمان من الحقوق الإنسانية كالتعليم والميراث والعمل والتمثيل، وكانت المرأة في أفضل حالاتها، وفي أوج الحاجة إليها تعمل في المصانع برواتب زهيدة وساعات عمل طويلة؛ لتغطي نقص الرجال في أثناء الحرب، أو ممرضة تداوي جراحهم.
ولذا تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية لجنة أممية لدراسة أوضاع النساء، وخرجت بقرارات أهمها اعتماد مبدأ مساواة الأنواع أو الجندر gender equality، والأنواع هنا ليس مقصودا بها الذكر والأنثى، وإنما إحساس المرء بنفسه واختياره لوظيفته الاجتماعية في الحياة بغض النظر عن تكوينه البيولوجي، وهذا ما يعرف بالهوية الجندرية gender identityوينبني عليها اختيار التوجه الجنسي sexual orientation؛ فقد يكون الرجل ذكرا بيولوجيا ولكن جنسيا قد يرغب في ممارسة أدوار الأنثى، وكذلك الأمر بالنسبة للأنثى، وقد اعتبرت الأدوار الفطرية للرجل بالقوامة وللمرأة بالأمومة أدواراً نمطية بما يحمله الوصف من معاني التقليدية والدونية والروتينية، وهذا مقبول في إطار المعاهدة وما تفرع منها من إعلانات، وقد فتح المجال لقبول الشذوذ وتقنينه، والتساوي المطلق للمرأة بالرجل مع فقدان أي تميز أو خصوصية لها!
وتحقيقا لهذه التوجهات؛ طالبت النسوية بيرثا لوتز في مؤتمر الأمم المتحدة عام 1945 «بحق المرأة في كل الفرص المتاحة للرجل، بغض النظر عن تكوينها البيولوجي»، والسؤال الطبيعي الفطري هنا: ما هو تكوين المرأة غير تكوين الأنثى، وما ينبني عليه من وظيفة الإنجاب والأمومة في حال الزواج؟!
ولإخراج المرأة من سياق الأسرة كاملا، ابتدعوا مصطلح تمكين او استقواء المرأة women empowerment؛ ومعنى المصطلح تحكم المرأة في كامل جسدها، وهذا لا يحصل الا بالاسغناء عن الرجل، والاستقواء يكون سياسيا بشغل المناصب العليا، بل إن المتطرفات من النسويات دعوا الى أن تحكم المرأة العالم، وأن يغيب الرجل؛ لأنه وراء المآسي من حروب وقتل ونزاعات، واقتصاديا بإطلاق المشروعات والبنوك الربوية وإنشاء شبكات سيدات الأعمال. ولإخراج المرأة من سياق الأسرة اخترعوا مصطلح تأنيث الفقر؛ لإضفاء السلبية على شكل الأسرة التي يكون فيها الرجل عاملا والمرأة راعية، وبهذا تبقى فقيرة معتمدة على غيرها لا خيار، ولا قرار لها فيما وصفوه بالأسرة الذكورية patriarchal family، أما اجتماعيا فبالتحكم بالجسد والنسل والخصوبة؛ وذلك بتبني مجموعة من القوانين تكفل ما يأتي:
الزنا والشذوذ غير مجرم.
الاجهاض غير مجرم.
الفتاة تتزوج بدون الولي.
خروج وسفر المرأة بدون إذن.
تأخير سن الزواج مع فتح المجال للجنس «الآمن» المبكر، ووضع قانون للسن القانونية للموافقة على ممارسة العلاقة الجنسية minimum legal age of consentدون زواج،
وتتضمن «سيداو» بنودا أساسيا تهدف إلى تغيير الثقافة والممارسات والتربية، وتنص في المادة 5 على «كفالة أن تتضمن التربية الأسرية تفهما سليما للأمومة؛ بوصفها وظيفة اجتماعية (ليست بيولوجية)»، وقد تم توجيه سؤال للجنة «سيداو» عن وجود اجازة الآباء لرعاية الأطفال؛ «أي ممارسة الأب لدور الأمومة حتى تستمع الأم خارج البيت أو لتتفرغ لعمل مأجور»، أما المادة 10 فتدعو الى «القضاء على أي مفهوم عن دور الرجل ودور المرأة على جميع مستويات التعليم، وفي جميع أشكاله، عن طريق تشجيع التعليم المختلط وغيره من أنواع التعليم التي تساعد في تحقيق هذا الهدف، ولا سيما عن طريق تنقيح كتب الدراسة والبرامج المدرسية وتكيف أساليب التعليم».
وقد يستبعد البعض منا وصول هذه المفاهيم والتطبيقات الى بلاد يدين معظم سكانها بالاسلام، ويرفع فيها الآذان خمس مرات، الا أن نظرة الى القوانين الجديدة والمبادرات والمشاريع النسوية في بلادنا، سيؤكد أن البلل وصل الى ذقوننا، ومن ذلك المطالبة بما يأتي:
الغاء مفهوم «رب الأسرة»، والقوامة وطاعة الزوجة لزوجها.
الغاء ومحاربة وشيطنة التعدد.
الغاء الطلاق بإرادة الزوج المنفردة، وجعله بيد القاضي.
الغاء المهر أو كما يسمونه «ثمن العروس».
الغاء استئذان الزوجة الزوج في الخروج والعمل والإنجاب والتعقيم، وحرية اختيار مكان السكن.
الغاء العدة.
المطالبة بالمساواة في المواريث في الحالات التي ترث فيها المرأة أقل من الرجل.
الغاء اختصاص المرأة بمهمة الأمومة.
اعتبار الزواج تحت سن 18 عنفاً ضد الأنثى.
والتطبيق والمتابعة الحثيثة لهذه المعاهدات جار على قدم وساق، وبنفس صبور وبطيء، ولكنه واثق ومنجز من خلال المؤسسات الدولية والمحلية، فماذا عن دورنا؟! وهل «سيداو» كلها شر محض؟!
لا ليست «سيداو» كلها شراً محضاً، ولكن الخير فيها قليل، ويزيد عليها ما في ديننا ويغطي، فلماذا إذاً وضع المرأة والأسرة عندنا في تردٍ مستمر؟! هل السبب في الدين أم البعد عن الدين والتحايل عليه والتمسك بالعادات والتقاليد؟! أليس في الأمة بقية باقية من العلماء تحاول جاهدة مراجعة وتقديم رؤى وحلول عصرية للأسرة، تتفق مع الكتاب والسنة ومصادر التشريع الاجتهادية؟
أين المشكلة إذاً؟!
المشكلة فينا، في أتباع الدين وأبناء العرب والأمة، في كل رجل يظلم امرأة ويأخذ حقوقها، في كل امرأة تنشز وتتفرعن وتنسى مسؤولياتها، في كل من يحرم أنثى من ميراثها، في كل أب يعضل ابنته، في كل أخ يعق أخته ومحارمه، في كل زوجة تفضل أن يخونها زوجها وتغفر له ولا ان يتزوج عليها زوجة شرعية ثانية!!
ببساطة وبصراحة: نحن معاول هدم الدين بممارساتنا قبل أن يأتي غيرنا إلينا، فالإيمان عمل والكفر عمل، وبناء الإسلام عمل وكذلك هدمه، ففي أي الكفتين نضع أعمالنا؟
التغيير قادم لأن السكون ليس من طبع الحياة، ولكن أن نراجع ونغير ونجتهد وفقا لشريعتنا وسنة نبينا خير من أن يأتي جورج والغرب والأمم المتحدة على ظهر معاهدة بدل دبابة ليحتلوا ما بقي من عقولنا وقيمنا بعد أن خرجوا ظاهريا من بلادنا!
نحن معاول، فإن لم نكن معاول بناء، فسنكون معاول هدم وليس هناك خيار آخر ولا مجال للحياد، والساكتون عن الحق في صفوف الشياطين.
سيداو معاهدة بدأت مع أعمارنا، وستقصف أعمارنا إن لم نقف لها بالمرصاد.
** الشكر للمهندسة كاميليا حلمي رئيسة لجنة المرأة والطفل على المادة العلمية للمقال.


