كم في باطن الأرض وعليها من الخيرات ما لا تسعه الكلمات ولا يحيط به إلا رب الأرض والسموات، وكم على العرض في الشاشات من الشرور ما تشيب له الولدان، وتضج له العقول من الزيف والكذب والبهتان، أما باطن الأرض فهي مفعمة بخيرات وبركات وأرزاق أرساها الرحمن في طياتها في أربعة أيام كما قال تعالى: (وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ) (فصلت: من الآية10)، فلابد من اليقين أننا إذا عملنا متوكلين على الله فإننا سوف نرزق رزقا حسنا لقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ) (الملك:15)، وقد وعد الله مع الإيمان والتقوى أن تفيض الأرض بالبركات فقال تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الأعراف:96)، وهذا وعد الله: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا) (النساء: من الآية122)، أما ما على ظهر الأرض من خيرات فلا يحصيه إلا الله ومن بحث عن خير وجده، وقد تجولتُ هذه العشر الأواخر من ربيع الآخر في بلاد عدة وكان السؤال المتكرر هو: ما رأيك فيما يجرى في دول الربيع العربي وبخاصة مصر؟، فأقول ما على الأرض من خيرات يختلف عما يعرض في الشاشات، ولما كان الكلام يحتاج إلى دليل آثرت أن أسوق بعضا من الشواهد العينية على الأرض تؤكد ما عليها من خيرات تختلف عما يعرض من شرور تم تزيينها أو إن شئت تلفيقها من (شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) (الأنعام: من الآية112)، فجعلوا الناس يكادون أن يحبطوا من الثورة والثوار، والإصلاح والتغيير، ولنتجول في أرض الله لنرى معا كم تحمل من خيرات تُبشِّر بمستقبل طيب لبلادنا وأمتنا وعالمنا، وأبدأ من السبت 2/2/2013م حيث سافرت إلى فرنسا في مؤتمر للمسلمين في مدينة "ليل" شمال باريس بساعتين، وهناك كان المؤتمر في قاعة من صالات الألعاب الكبرى، وترى من كل بقاع الأرض والفرنسيين الذين أسلموا طوعا، ما تقر به عينك، وقد أخبرني الأخ رئيس المؤتمر أن عمدة المدينة رفضت أن تحضر الموتمر الحاشد بسبب حضوري المؤتمر لأني معادٍ للصهيونية - ونعمت التهمة هي- ، وقد أجابهم الإخوة في المؤتمر: " إذا كنتم تدَّعون في النظام العلماني فصل الدين عن الدولة، فلا يجوز للسلطة أن تتدخل فيمن ندعو إلى المؤتمر" وقد أصروا على حضور العبد الفقير تحديًا لهذا التدخل السافر قربانا للصهيونية، مع ما في هذا الأمر من مخاطر عليهم لكنهم أعملوا قيمة العزة والكرامة، والحق القانوني على المنافع العاجلة، وسافرتُ بعدها إلى ألمانيا لألتقي بالعلماء والأئمة من مائة مركز إسلامي قطع بعضهم أكثر من سبعمائة كيلو مترا كي يشتركوا في الدورة التكوينية الشرعية حول: "مقاصد الشريعة ودورها في فقه الأقليات المسلمة" وقد حاضر فيها العالم الرباني أ.د. عمر عبد الكافي، والعالم الشاب النحرير في علم المقاصد د.وصفي عاشور، والقائد الرباني العالم الأزهري د.خالد حنفي، وقد رأيتُ في وجوه هؤلاء العلماء وعزائمهم ما يبشِّر على الأرض بخير ليس في ألمانيا، وحدها وإنما في أوربا كلها، والنقطة الأكثر اندهاشا هو حضور عدد من الأئمة الألمان الذين أسلموا وتفرغوا لحفظ القرآن وتعلم اللغة العربية فلم يحتج واحد منهم لمترجم رغم أن مستوى الحديث بلغة علم المقاصد يعد مما يصعب على الطلاب العرب فهمه، ولكنهم كانوا يستوعبون كل شيء مما يسر القلب ويشرح الفؤاد.
وفي طريق العودة من ميونخ إلى القاهرة كان هناك فتح رباني ما بين الأرض والسماء، حيث دار حوار مع أحد الركاب الذين كانوا قد اقتربوا من حفظ القرآن كله، لكن الصحبة السيئة جرته إلى كل ألوان الخنا والفجور، ومع التذكير بنِعم الله عليه ومدى استعداده للدار الآخرة، فإذا بالأصل النقي يعود إليه، وتُزال – بفضل الله - القشرة العارضة، وتحول الشاب في لحظات إلى الإنسان الذي يفيض حبا وخوفا من الرحمن، فأخرجت له مصحفي الذي لا يفارقني قلبا وقالبا وقلت له: ضع يدك وتب توبة نصوحا، وتذكر أن اليد التي تمسك كتاب الله لا تمسك خمرا ولا تمس يدا في الحرام، وتعاهدنا على ثلاث: عمارة المسجد، والورد القرآني، والصحبة الصالحة، ونزلت إلى مصر مغتبطا بهذا الشاب العائد إلى الله.
وفي مصر الحبيبة التقينا في المجلس الأعلى في يوم واحد قرابة 800 شاب وفتاة على دفعتين في الصباح مجموعة تزيد عن 400 من الوافدين لمصر من 50 دولة، وبالرغم من أن منحة المجلس محدودة وقليلة، لكنهم جادون في طلب العلوم الشرعية والتربوية واللغة العربية، وقد وقف شاب من ألبانيا وتكلم بلغة عربية فصحى، وفكر إسلامي ناضج، وقيادة ربانية تبشِّر بأن سفراء عظماء سوف يقودون الدعوة في أوربا بإذن الله، وتكلمت فتاة من كينيا في أرفع أسلوب باللغة العربية التي تجاوزت السلامة النحوية إلى البراعة البلاغية، ورغم مأساتها في عدم دراسة الإعلام الذي تحبه، لكنها أعربت عن روح التحدي لمواجهة الصعاب حتى تتخطى كل السدود والقيود لتخدم الإسلام من بوابة الإعلام، وفي المساء كنا على موعد مع قرابة 400 شاب وفتاة من مصر لا ينتمون إلى الجماعات المشهورة وإنما كوَّنوا روابط لتعلم اللغات ومقابلة السائحين الذين يزيدون عن 15 مليون سائح إلى مصر لعرض الإسلام عليهم، ويتابعونهم بإرسال الكتب والشرائط الممغنطة، وقد ترجموا عشرات من الكتب إلى أكثر من عشرين لغة التي تعلموها كي يتواصلوا بها مع السائحين الوافدين.
وكان اليوم التالي مكتظا بلقاءات مع خيار كبار العلماء وشبابهم، وخيار الدعاة من الشباب والفتيات، وخُتم اليوم بلقاء مع مجلس الوزراء والسادة المحافظين بقيادة الدكتور هشام قنديل حيث تكلم عدد من الوزراء والمحافظين على خيرات تبشر بخير كثير في مصر يجعل الغد أفضل من اليوم، واليوم أفضل من الأمس، خاصة عندما تسمع الخطوات المتسارعة لإنجازات مؤثرة في وزارة التموين على يد قائدها الوزير الشاب الدكتور باسم عودة، وذهبت بعدها إلى قطر يوم الجمعة 8/2/2013م لنلتقي بخيرة العلماء من أعضاء مجلس أمناء جامعة الاتحاد العالمي التي يؤسسها الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ومع أننا في دور النشأة إلا أننا وجدنا رسالة من أ.د سمير فخرو قائد التعليم الإلكتروني عن بعد في عالمنا العربي والإسلامي يرسل رسالة أنه على استعداد أن يقدم من جامعة آسيا كأحد قادتها كل الخدمات لكي تنهض جامعة الاتحاد، وجامعة آسيا لها 35 فرعا في العالم كله، وتستوعب مئات الآلاف من الدارسين في العلوم الشرعية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية. وفي اليوم التالي كنا على موعد مع نخبة رائدة متميزة من فتيات قطر اللاتي أمضين عامين ونصف في دورة القائدة الربانية، ولا تتخرج واحدة إلا بتقديم مشروع من مشاريع الدعوة والبر والنصرة للقيم والأخلاق، وجاءت مشاريع الفتيات في سن الجامعة دليلا على الأفق الواسع والاستيعاب المتميز، والقدرة على الابتكار والإبداع والحركة الدؤوب لوجه الله تعالى، وفي مساء اليوم نفسه كانت لي مشاركة في مؤتمر بعنوان: "السياسة والفن في ميزان الأخلاق.. رؤية واقعية" وقد كان الحضور من كل قارات الدنيا وقد تكلم عبر الإنترنت الدكتور "نورمان فيكالشتين" وهو من يهود نيويورك مدافعا عن الإنسان الفلسطيني في مواجهة الظلم الصهيوني، وعرض فيلما عن الجُدر التي يقيمها اليهود بطريقة لا إنسانية تمزيقا للأسرة والمجتمع الفلسطيني، لكنه عرض جَلَد وصبر الفلسطينيين في مواجهة ظلم وطغيان الصهاينة مبشرا بنصر مبين للفلسطينيين على الصهاينة المعتدين، وقد تكلمت فأحسنت الدكتورة "نيلوفار غول" من تركيا عن علاقة الإسلام بالعلمانية وأن القيم الإسلامية في السياسة لابد أن تصدر عن الدين، وقد تكلمتُ عن علاقة الأخلاق بالسياسية بين التأصيل الشرعي والتنزيل الواقعي والتفعيل الحضاري، وتعجبتُ لطرح أخي الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح الذي بدأ بضرورة فصل الدعاة عن السياسة في الوقت الذي دعا فيه إلى التحام الأخلاق بالسياسة، وعدتُ إلى البحرين لألتقي بالحبَر العالم الدقيق العميق الشيخ الدكتور عدنان زرزور مع عدد من العلماء والوزراء لنناقش أعمق الأفكار حول علاقة العقل بالنقل ورموز هذا الميدان ومنهم العقاد كصخرة تحطمت عليها كثير من الشبهات، وأن الله لم ولن يحرم الأمة من أمثال د.عمارة وغيره ليكمل المشوار نحو ترسيخ الثوابت الإسلامية في مواجهة الأيدولوجيات الأرضية، وعدتُ في اليوم التالي إلى بلدي الحبيب مصر من المطار إلى مسجد أسد بن الفرات في الدقي للدورة الشرعية التي ينظمها المجلس الأعلى للشئون الإسلامية مع المعهد العالمي للفكر الإسلامي – مركز المعرفة الإنسانية، لرفع كفاءة الأئمة والعلماء في العلوم الشرعية والإنسانية وطرق توصيل المعلومات لكل الأجيال شيبا وشبابا، رجالا ونساء، وكانت الوجوه تخبرك عن خيرات ورحمات على مصر والأمة لا حصر لها، وقد جال بخاطري فرسان مسجد أسد بن الفرات حديثا مثل الشيخ صلاح أبو إسماعبل رحمه الله وشيخنا العالم الرباني د.عمر عبد الكافي حيث منعهم النظام السابق من أي عمل دعوي ففتح الله لهما الدنيا بشعابها وفضائها.
فهل تؤمنون معي بأن هذا الخير المدرار على الأرض هو الذي يبقى أم نستسلم للعرض في الشاشات الذي نحا أغلبه إلى تصوير دول الربيع العربي أنها صارت أرض الفوضى والمولوتوف والقتل والإضراب في منهجية آثمة لا تعرف إلا تعميم الشواذ وتلطيخ السواد الأعظم، وتشويه العظماء، وتشتيت الأفكار، وتمزيق الصفوف، وشيطنة الثورة.
يا قوم أعظكم بما قاله تعالى: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) (الرعد: من الآية 17)، وقال الشاعر المتنبي:
أعيذها نظرات منك ثاقبة أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
بحثوا عن خيرات الأرض ولا تستسلموا لشاشات العرض!.


