الأربعاء 07 يناير 2026 الساعة 11:26 ص

مقالات وآراء

خمسون ألف قلب محطم

حجم الخط
د.ديمة طارق طهبوب

في محاضرة للدكتور محمد نوح القضاة قال إن لدينا في الأردن خمسين ألف امرأة مطلقة! وكانت المقاربة المفزعة التي قالها بعد ذلك إن جيش معركة القادسية الذي حقق أعظم انتصارات المسلمين كان قوامه ما بين 30-35 ألف جندي بمعنى أن لدينا جيشا من الحطام البشري   وكسيرات النفس والقلب، هذا غير عدد العزباوات فوق سن الثلاثين التي وصل عددهن في آخر إحصائية لجمعية العفاف عام 2009 الى 98.633 ألف عزباء يراهن المجتمع في هذا السن عوانس قد فاتهن قطار الزواج ويحكم عليهن بالإعدام اجتماعيا وزواجيا الا في حالات نادرة، فمعظم الأمهات اللواتي يخطبن لأولادهن ويؤثرن على قرارتهم وهن ما زلن على فكر ونهج الجدات في الزواج «تزوج الصغار ورافق التجار»!

 

جيش من الحطام البشري والطاقات المعطلة لنساء قال فيهن قائد عسكري فذ هو نابليون: «المرأة التي تهز المهد باليمين تهز العالم بالشمال» هذا لو اقتصرت المرأة على أدوار الأمومة فكيف لو غطت ثغرات وميادين اخرى لا يصلح لها الا هي في التعليم والصحة والوعظ والعمل الخيري   حتى السياسي؟

 

نعم تستطيع المرأة أن تتجاوز مأساة عدم الزواج أو الطلاق بغير إرادتها، مع شيء من الإيمان، ولكن ماذا عن نوعية الحياة التي ستحياها في مجتمع لا يرحم حتى من لا يعاني من القيل والقال وكثرة السؤال؟!

 

ماذا عن نوعية الحياة لهذه الأعداد من النساء اللواتي خلقهن الله من نفس واحدة هن والرجال ليسكنوا الى بعضهم، ووصفهن راعيهن صلى الله عليه وسلم بأنهن قوارير وآنية سهلة الكسر؟! ماذا لو أنجزت المرأة كذا وكذا وكذا حتى تضخمت سيرتها الذاتية واضطررت للاختصار من الانجازات والصفحات، هل يسد هذا مكان تلبية فطرتها؟! ماذا لو غيرت وجه العالم بالخير ثم عادت الى بيت فارغ وغرفة باردة ووسادة خالية دون أن تجد أحدا يشارك معها فرحتها أو يمسح لها دمعتها أو يشد من أزرها؟! فالمشاعر والسند التي يوفرها الزوج غير تلك التي يوفرها الأب والأم والأولاد ولولا اختلافها لما كان لكل قدره الخاص في قلب البشر.

 

ماذا لو لم تتحلَ النساء بالإيمان والفضيلة للصبر على الابتلاء رجاء بما عند الله في الدنيا والآخرة؟! أي انحرافات وأي أمراض وأي دواهٍ ينتظرها المجتمع فلا يبقى ستر ولا عفة ولا أحد بمنجى من الشر؟!

 

في كل عام نحصي التعداد السكاني في بلادنا ونقول وصلت الأرقام لكذا وكذا من الملايين ولكن ماذا عن حالة هذه الأعداد النفسية وما ينعكس على قوة البلد والانجاز والانتاجية والتكاتف   والمسؤولية الجماعية؟!

جاء في الحديث «المسلمون يد على من سواهم ويسعى بذمتهم أدناهم» ووصفهم الرسول بأنهم جسد واحد اذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى، فكيف وقد اشتكت علانية وصمتا مئات الآلاف من بناتنا دون مجيب؟!

 

كان من أشد وآلم ما وصلني من رسائل منذ أمسكت بالقلم لأكتب منذ أيام المدرسة وما زالت تؤرقني الى هذا اليوم هذه الرسالة:

أختي العزيزة ديما

حركتني جروحي بمقالك في وقت يئست فيه فعلا من هذا الموضوع، وخاصة ان لي ثلاث اخوات وكلنا متعلمات ونعمل ولم يتقدم لخطبتنا احد، الكبرى شارفت على الاربعين والثانية في السادسة والثلاثين وانا في الثانية والثلاثين، والاخيرة في التاسعة والعشرين، اعمارنا حالة ميئوس منها، وما يزيد الطين بلة عيشة الجفاف من العواطف، فلا أب أشكو له ولا ام تحنو عليك وتصبرك وتفرغي احزانك بحضنها، شعور من انك مستثناة من عيش احوال البشر قاتل، والله اكتب لك والألم فعلا يعتصرني لا استطيع ان اكمل، سامحيني”.

 

لم أعد أعرف كيف تكون ضمائرنا مستريحة لنغط في نوم عميق رجالا ونساء، وكثير من النساء يهدهدهن البكاء، فيستسلمن لنوم لا يحمل معه بشارات فجر الفرج لنقوم نحن ونصلي الفجر ونمن على الله، ونرى أننا قد طبقنا وحفظنا الدين كله! ولكن ماذا عن جماعة المسلمين الذين نظل نردد دخولنا معهم في العقد الرباني }إياك نعبد وإياك نستعين{ ماذا عن واجباتنا تجاههم؟!

لقد أشرك الله سبحانه وتعالى من أحيا الأمل شعورا وحقيقة في النفس البشرية معه في قدرة الإحياء بالمعنى الرمزي فقال سبحانه } و من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا{ وجعل حياة نفس واحدة وانقاذها من براثن الكسر والعجز كحياة وإنقاذ البشر جميعا.

انتصر المسلمون أعظم انتصاراتهم بذلة الأعداد وقلتها لأنهم كانوا على قلب واحد، ونحن الان جاوزنا المليار دونما انتصار فجيوشنا فيها من حطام البشر ما فيها وصدق الشاعر:

ملياركم لا خير فيه كأنما

 

                                           خطت وراء الواحد الأصفار

يا ويحكم يا مسلمون قلوبكم

                                       جمدت فليست بالخطوب تثار

الطلاق والعنوسة قد تكون ابتلاء ولكن فيها كثير من أنانية وظلم البشر لبعضهم البعض عن سابق ارصاد وترصد وخيار إرادي.

هناك احصاءات لا يحصيها البشر ولكن الله يحصي كل أنّة وآهة ودمعة وخلجة قلب ودعاء بالجنان اللهم لا تجعلنا ممن يظلم المسلمين أو يُظلمه المسلمون.