الإثنين 05 يناير 2026 الساعة 09:06 ص

مقالات وآراء

زيارة «أوباما» والمؤامرات في الخفاء

حجم الخط
أيمن دلول

جاءت زيارة الرئيس الأمريكي لمنطقة الشرق الأوسط خلال الأسبوع الثالث من شهر مارس الجاري لوضع اللمسات الأخيرة على عدد من الخطط التي تسعى الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني لتنفيذها في المنطقة ورسم خارطة طريق جديدة لها، فهي وإن كانت زيارة بروتوكولية في ظاهرها، إلا أن غير المُعلن منها أنها جاءت لإقرار مجموعة من الخطط الشيطانية التي تستهدف من خلالها تأكيد استمرار عدم الاستقرار في عدد من عواصم المنطقة العربية لصالح استمرار استقرار الكيان الصهيوني في سبيل تواصل تعزيزه للاستيطان وسلب الأراضي الفلسطينية.

 

أوباما

الزيارة الأخيرة لأوباما أخطر مما يمكن أن يتخيله عقل آدمي، خاصة وأن بوادر نتائجها بدأت تلوح في الأفق بتصاعد تصريحات قادة العدو الصهيوني التي تُهدد وتتوعد سوريا على سبيل المثال.

 

باختصار، إن زيارة الرئيس الأمريكي جاءت لوضع اللمسات الأخيرة على خطة الكيان الصهيوني في استهداف أطراف في المنطقة سيكون أهمها قواعد سورية “سواء يسيطر عليها الثوار أو الجيش النظامي، وستصل إلى قواعد لحزب الله اللبناني، وهو ما قد يجر لمواجهة مع إيران، لن تكون غزة وروسيا بعيدة عن الانجرار ضمنها.

 

وحتى تظهر الزيارة في سياقها الطبيعي وللعمل بالخطط التي يسلكها الكيان الصهيوني عند مخاصمته لأحد الأعداء، فقد كان لا بد من تقليل عدد أعدائه إلى الحد الكبير أو تحييدهم- على الأقل- سواء بالتنازلات من قبل الكيان أو الأموال التي أغدقتها واشنطن ودول الاتحاد الأوروبي لشراء العديد من زمم أطراف المنطقة وتجديد الولاء لها، ويمكن رصد العديد من النقاط في هذا الإطار:

 

1-  دعم السلطة الفلسطينية: من نتائج زيارة “أوباما” إعلان تقديم بلاده نصف مليار دولار بالإضافة إلى قرار دول الاتحاد الأوروبي استئناف دعم خزينة السلطة بمليار ومائتي مليون دولار، هذا إلى جانب قرار رئيس حكومة الاحتلال استئناف ضخ الاستقطاعات الضريبية للسلطة بشكل شهري. هذه الأموال كان الهدف منها: تعزيز استقرار الوضع المالي للسلطة بعد التظاهرات المطالبة بالرواتب نتيجة تأخر دفعها في سبيل تعزيز إمكانيات السلطة في جانب آخر ووحيد يتمثل في مواصلة الحفاظ على أمن الاحتلال من قبل الأمن الفلسطيني “خشية من تدهور الأوضاع في حال إقدام الاحتلال على ضرب سوريا وامتداد العدوان الصهيوني لينتقل إلى حرب إقليمية”، والأمر الآخر يتمثل في استئناف المفاوضات من قبل السلطة الفلسطينية والابتعاد عن مغبة استخدام لغة التهديد للاحتلال الصهيوني، فقد ذكرت صحيفة “الشرق الأوسط” في عددها الصادر يوم السبت الموافق 23 من مارس الجاري أن الرئيس الأميركي باراك أوباما طلب من رئيس السلطة محمود عباس خلال اجتماعهما في رام الله الخميس الماضي “عدم الذهاب إلى محكمة الجنايات الدولية ضد (إسرائيل) لأي سبب كان، بما في ذلك موضوع الاستيطان”.

 

2-  الاعتذار لتركيا: وفي سبيل ضمان الهدوء في حال ضرب سوريا وعدم التحرك أكثر من اللازم ضد الاحتلال الصهيوني أو لعدم زيادة وتيرة الانتقادات للكيان في حال اقتراف جرائم داخل الأراضي السورية، وجد رئيس وزراء الكيان الصهيوني “بنيامين نتنياهو” أنه من الضروري الاعتذار لتركيا في سبيل العمل على تحييدها- على الأقل- مما سوف تقوم به ضد دمشق. إن علينا الإدراك جيدا أن العدو الصهيوني ماكر وخبيث- بخاصة إن كان يقوده الثعلب نتنياهو- فهو الذي أجَّل الاعتذار لأنقرة عن جريمة سفينة “مرمرة” حتى الوقت المناسب الذي وجده قد حان في هذا الوقت بالذات، فبحسب ديوان رئيس وزراء الاحتلال الصهيوني بنيامين نتنياهو الذي أصدر بيانا مساء الجمعة، فقد وافق الجانبين الصهيوني والتركي على إعادة العلاقات الطبيعية بينها بما في ذلك إعادة سفيري البلدين إلى مقر عملهما وإلغاء الإجراءات القانونية بحق جنود جيش الاحتلال الصهيوني.

 

3-  إعادة التضييق في غزة: وخشية من استهداف سفنها البحرية وبوارجها التي تتحرك أمام شواطئ بحر غزة، فقد أقدمت قوات الاحتلال وبعد زيارة “أوباما” مباشرة على قصر مسافة الصيد للصيادين الفلسطينيين إلى ثلاثة أميال بعدما كان لستة أميال منذ حرب “الأيام الثمانية” التي دارت بين الاحتلال وقوى المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة خلال نوفمبر عام 2012م. إن قرار التضييق على القوارب الفلسطينية الذي قد يمتد لقطاعات أخرى وهو يأتي بسبب خشية الاحتلال من انضمام فصائل المقاومة الفلسطينية لأي مواجهة مع الاحتلال في حال استهدافه للقواعد السورية.

 

4-  استقالة حكومة لبنان: جاءت استقالة حكومة لبنان في وقت حرج بالنسبة لهذا البلد الذي ينقسم بين مؤيد ومعارض للنظام السوري وما يقوم به، ومن شأن هذه الاستقالة أن تفجر الأوضاع داخل لبنان حتى تنشغل بنفسها بدلا من التدخل في في الشأن السوري في حال ضرب الاحتلال الصهيوني لعدد من المنشآت والمواقع السورية. التوتر داخل لبنان قادم لا محالة، فالاستقالة جاءت دون إقرار قانون جديد للانتخابات، كما أن الحكومة لم تفلح في الاتفاق على مدير جديد للمؤسسة الأمنية، وخلال أيام قليلة ستدخل المؤسسة الأمنية الكبرى في فراغ كبير بإحالة مديرها العام اللواء أشرف ريفي على التقاعد.

 

5-  زيارة العراق والأردن: وفي سبيل تسهيل مهمة الكيان الصهيوني خلال استهداف سوريا، فقد قام الرئيس الأمريكي “أوباما” بزيارة خاطفة إلى الأردن من المُرجح أنه وضع من خلالها العاهل الأردني الملك “عبد الله الثاني” في صورة ما سيُقدم عليه الكيان خلال المرحلة المقبلة، كما يحتمل أن يكون دعاه لأن تستعد “عمان” لاحتضان جولات المفاوضات التي ستعود بين السلطة الفلسطينية والكيان الصهيوني خلال فترة وجيزة بفعل الملايين التي تم دفعها لخزينة السلطة. أما وزير الخارجية الأمريكي جون كيري فقد وصل إلى بغداد بزيارة لم يُعلن عنها مسبقا، وذلك لحث القيادة العراقية على التعاون بشأن ما يجري على الأراضي السورية.

 

6-  تحييد الجبهة المصرية: الدولة المصرية التي تشهد مخاضا عسيرا هذه الأيام تعتبر ساحة مهمة للعدو الصهيوني في أي إجراء قد تقوم به، ولا يمكن أن يكون تصعيدا ضد سوريا بعيدا عن اهتمام الكيان الصهيوني بضمان تحييد الساحة المصرية، وفي سبيل ذلك فقد اتخذت عدة إجراءات في هذا السبيل منها: وصول وفد صهيوني برئاسة مديرة إدارة الشرق الأوسط بخارجية الاحتلال أميرة دوتان، قادمًا من (تل أبيب) في زيارة قصيرة لمصر تستغرق عدة أيام، لبحث عدد من القضايا أهمها إيجاد مبنى جديد لسفارة الاحتلال في مصر- وذلك بهدف إبعادها عن أية مخاطر نتيجة تظاهرات قد تندلع رفضا لاستهداف الاحتلال لمواقع سورية-، ولاستمرار التوتر داخل الأراضي المصرية ستسعى أطراف تمولها السلطة الفلسطينية لتواصل العمل على زرع الأحقاد والفتنة بين صفوف المصريين، فالأموال التي تم دفعها للسلطة تستهدف تعزيز وزيادة أعمال التوتر التي يقوم بها عناصر من “فتح” في القاهرة، ولعل الوثيقة التي تم تسريبها من مكتب رئيس السلطة محمود عباس حيث وجهها له اللواء ماجد فرج مدير المخابرات العامة حول جهودهم في إشعال الفتنة داخل الساحة المصرية خير دليل على ذلك. إن معنى تواصل إشغال المصريين بأنفسهم عدم التحرك والتعبير عن رفضهم لأي هجوم صهيوني يستهدف سوريا.

 

إن اشتعال حرب في المنطقة بأيدي صهيونية باتت مسألة وقت ليس أكثر، فالتصريحات التي أطلقها “موشيه يعلون” وزير جيش الاحتلال الصهيوني، بأن “(إسرائيل) تنظر بخطورة إلى إطلاق النار باتجاه قوة من الجيش على الحدود وتعتبر النظام السوري مسؤولاً عن ذلك” تأتي في هذا السياق، والحديث الذي زادت وتيرته هذه الأيام عن ضرب النظام السوري لصواريخ كيمائية تأتي لتعزيز توجه الكيان الصهيوني نحو استهداف مواقع سورية مختلفة. ولذلك فقد استشعرت روسيا- الحليف القوي- لسوريا ما يخطط له الكيان الصهيوني- حتى قبل زيارة أوباما- ولذلك فقد دعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، رئيس وزراء الاحتلال الصهيوني بنيامين نتنياهو، إلى زيارة موسكو، وهي زيارة قد تسعى “موسكو” من خلالها لتحذير العدو الصهيوني من مغبة الإقدام على ضرب قواعد لحليفتها “دمشق”.

 

الواضح جيدا أن العدو حزم أمتعته جيدا في طريقه لاستهداف سوريا، فقد انتظر حتى أصاب الإرهاق كلا من قوات النظام وقوى الثوار لبعضهما البعض، كما أن استمرار الوضع هكذا وضع الأطراف الدولية في أزمة حقيقية وبات يهدد مستقبلهم السياسي من قبل شعوبهم، نتيجة عدم تحركهم لإنهاء الأوضاع في سوريا، ولذلك سيستبق العدو الصهيوني ذلك بتوجيه ضربة للقواعد العسكرية لضمان عدم وصول تلك الأسلحة إلى ثوار عيونهم سترنو إلى هضبة الجولان بعد الانتهاء من مواجهة نظامهم المُستبد.