حتى أكثر المتفائلين في الكيان الصهيوني لم يكن يتوقع حجم الإنجازات التي حققتها تل أبيب من الزيارة التي قام بها الرئيس الأمريكي باراك أوباما. لقد خرج أوباما عن طوره من أجل أن تسهم زيارته في تحسين البيئة الإقليمية والدولية لـ»إسرائيل» بشكل فارق، من خلال جملة من المواقف السياسية والإسناد العاطفي، وحلّ معضلات إستراتيجية عجزت القيادة الصهيونية عن مواجهتها.
تبني مزاعم الصهيونية التاريخية
لقد كان الهدف الرئيس لزيارة أوباما مخاطبة الجمهور الإسرائيلي بشكل مباشر ومحاولة وضع حد للانطباع الذي ساد في «إسرائيل» حول «عدائية» أوباما للكيان الصهيوني، وهو الانطباع الذي نجح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في تكريسه هو ومساعدوه خلال ولاية حكمه السابقة. لقد فطن أوباما إلى أنّ ما أغضب الإسرائيليين في الخطاب الذي ألقاه في جامعة القاهرة عام 2009، وسعى خلال هذه الزيارة إلى التراجع عنه بشكل واضح، فقد غضب الإسرائيليون عندما ربط أوباما في خطابه في جامعة القاهرة بين حق «إسرائيل» في الوجود وبين ما جرى لليهود على أيدي النازيين خلال الحرب العالمية الثانية، فقط دون ذكر ما يزعمه اليهود بوجود رابط بين حق «إسرائيل» في الوجود والعلاقة «التاريخية» بين اليهود وهذه الأرض التي تعود لثلاثة آلاف من السنين، كما يزعم الإسرائيليون. وقد حرص أوباما في بداية حديثه على التأكيد على عمق الرابط التاريخي بين اليهود وهذه الأرض. في الوقت ذاته، حرص على تذكير الإسرائيليين أنّه يدعم مواقفه السياسية بدعم مادي وعسكري كبير، حيث أشار إلى حقيقة أنّ المساعدات الأمريكية على الصعيدين العسكري والاقتصادي بلغت في عهده مستوى غير مسبوق. مع العلم أنّ مجمل المساعدات التي تلقّتها «إسرائيل» من الولايات المتحدة منذ تأسيسها عام 1948 وحتى الآن 860 مليار دولار.
مواجهة تبعات الربيع العربي
لقد كان من الواضح أنّ واحدة من أهم القضايا التي حرص أوباما على مناقشتها خلال زيارته لـ»إسرائيل» هو سبل مواجهة تداعيات التحولات في العالم العربي، جنوباً وشرقاً. وقد ألمح أوباما إلى أنّ هناك تنسيق وتعاون كبير وعميق بين تل أبيب وواشنطن بشأن سبل مواجهة هذه التحولات، لا سيما على صعيد الثورة السورية. وقد أكّد يوفال شطاينتس وزير الاستخبارات الإسرائيلية الجديد أنّ أوباما ناقش آخر المستجدات على صعيد التعاون والتنسيق بشأن سبل مواجهة السيناريوهات المختلفة التي يمكن أن تنتهي إليها الثورة السورية. وقد بات واضحاً أنّ أكثر ما يشغل بال أوباما ونتنياهو هو عدم السماح بوصول السلاح غير التقليدي والصواريخ بعيدة المدى الموجودة في جعبة النظام السوري للجماعات الجهادية، التي باتت تتواجد على بعد بضع مئات من الأمتار من الحدود من الجولان الذي تحتلّه «إسرائيل». ولقد حرص أوباما على التأكيد على أنّ الولايات المتحدة ملتزمة بالعمل لتجنيب «إسرائيل» أيّ مخاطر ناجمة عن تسرب السلاح للجماعات التي يمكن أن تشكِّل خطراً على «إسرائيل».
توافق بشأن إيران
لقد بدا أنّ هناك توافق تام بين كل من أوباما ونتنياهو بشأن تقييم الخطر الناجم عن تحوُّل إيران إلى قوة نووية، حيث اتّفق أوباما ونتنياهو على أنّ حصول إيران على سلاح نووي يمثّل «كارثة» للمصالح الإسرائيلية والأمريكية في المنطقة. ولقد تغلّب نتنياهو وأوباما على الخلاف التقليدي الذي كان سائداً بينهما بشأن سبل مواجهة البرنامج النووي الإيراني، حيث تدلّ التسريبات على أنّ نتنياهو بات مطمئناً للإجراءات التي تم التوافق عليها بشأن سبل معالجة البرنامج النووي الإيراني، سواء على صعيد العقوبات الاقتصادية، أو على صعيد الحرب السرية ذات الطابع الاستخباري التي تشنّ على البرنامج النووي الإيراني بتنسيق تام بين الولايات المتحدة و»إسرائيل»، والتي تتضمن توسيع دائرة الحرب الإلكترونية، وعمليات خاصة أخرى. علاوة على ذلك، فإنّ أوباما قدّم تعهدات صارمة بأنّ تهديده بالخيار العسكري لمواجهة إيران هو تهديد واقعي يستند إلى نية حقيقية.
صفعة لعباس
لقد أصبح في حكم المؤكد أنّ أقل القضايا التي شغلت بال أوباما خلال زيارته لـ»إسرائيل» والضفة الغربية هي عملية التسوية بين «إسرائيل» والفلسطينيين، على الرغم من أنّه أفسح لها جزءاً مهمّاً في حديثه. لقد وجّه أوباما صفعة قوية للفلسطينيين، وتحديداً للرئيس الفلسطيني محمود عباس عندما طالبه بالتراجع عن طرح شروط مسبقة لاستئناف المفاوضات، أيّ أنّ أوباما يطالب عباس بأن يتراجع عن مطالبته بوقف الاستيطان والتهويد قبل بدء المفاوضات. ليس هذا فحسب، بل إنّ أوباما حرص متعمداً على تيئيس الفلسطينيين من الرهان على دور الولايات المتحدة في عملية التسوية، ففي الوقت الذي أكّد وقوفه إلى جانب «إسرائيل» بكل قوة، وبغضّ النظر عن سلوكها من التسوية مع الفلسطينيين؛ فقد أوضح أوباما لعباس بشكل لا يقبل التأويل أنّ الولايات المتحدة غير عازمة على استثمار جهود كبيرة في تحقيق انطلاقة في التسوية. أيّ أنّ ما يتوقعه أوباما من السلطة الفلسطينية يتمثّل في ضرورة الذهاب باتجاه «إسرائيل» عبر مواءمة مواقفها مع ما يمكن أن توافق عليه الحكومة الإسرائيلية الجديدة. وتدلّ كل المؤشرات على أنّ وزير الخارجية الأمريكي جون كيري سيحرص على إقناع الدول العربية بمنح عباس التفويض لاستئناف المفاوضات دون وقف الاستيطان.
إصلاح العلاقة مع تركيا
من الواضح أنّه لولا الجهود الكبيرة التي بذلها أوباما لما تمكّنت «إسرائيل» من تحقيق هذا الإنجاز الكبير. صحيح إنّ «إسرائيل» استجابت لبعض الشروط التي وضعتها تركيا، لكن من الواضح أنّه لولا التدخل النشط لأوباما وكيري لما تحقق هذا الإنجاز. ومن الواضح أنّ الهدف الأمريكي من إصلاح العلاقة بين تل أبيب وأنقرة هو تحسين البيئة الإقليمية لـ»إسرائيل» وتمكينها من مواجهة تحولات العالم العربي، لا سيما على الصعيد السوري.


