انقسم التحليل والتفسير لاعتذار الاحتلال لتركيا عن مجزرة سفينة مرمرة إلى فريقين كبيرين متناقضين: ينظر الأول إليه أنه مؤامرة على إيران وحزب الله, وهو يأتي في سياق ترتيب المنطقة وأوراقها, وإخراج تركيا من معادلة الترتيب, وتحييدها إزاء أي قرار قد تُقدم عليه حكومة الاحتلال تجاه إيران وحلفائها في المنطقة بغرض القضاء على السلاح النووي الإيراني. ومن خلال متابعتي لعدة تصريحات في هذا السياق وجدت تطرفًا في وجهة النظر, التي حددت مثلث المؤامرة بتركيا والإدارة الأمريكية والاحتلال الصهيوني, وفي ذلك خلط للأوراق, وتجاوز لحدود العلاقات بين الدول، وخاصة بين دولتين إسلاميتين لهما بصمات مهمة في التاريخ والحاضر، ويُعول عليهما في المستقبل في الوقوف بوجه التمدد الصهيوني.
أما الفريق الثاني فتسرع في التفسير باتجاه مغاير ومُعاكس، إذ عده انتصارًا كبيرًا, وفتحًا جديدًا مبينًا للقضية الفلسطينية, وتعزيزًا لدور تركيا المركزي, وخضوعًا من الاحتلال لشروط تركيا لم يعهده أحد, وانتصارًا للدماء التركية التي مُزجت بمياه فلسطين, وقرب إنهاء لحصار قطاع غزة، وفي ذلك زيادة في التفاؤل, ونشر الأماني دون ضمانات, وخاصة أن الأمر مُرتبط بذمة الاحتلال التي لا حدود لها, ولا ضمانات للتنفيذ.
في التحليل السياسي, وقراءة الأحداث بزوايا مختلفة, لا يُوجد أبيض مُطلق, ولا أسود مُطلق, ولا تخيير بين اليمين أو اليسار, إلا في مفاصل تمس العقيدة والمبدأ والإستراتيجية.
لذا إننا نقول: إن عدّ اعتذار الاحتلال مع التعويض ووعد بفك الحصار (...) يخدم مستقبل الأمة تفسير مقبول نسبيًّا, وخاصة أن موقف تركيا حكومة وشعبًا مع الشعب الفلسطيني واضح ومشرف, وجاء قويًّا في وقت تراجع فيه موقف الكثير من الأطراف, ووصل الأمر إلى دفع المال والدماء نصرة للحق الفلسطيني. كذلك لا يمكننا أن نُهمل أو نُحيد الأبعاد الأخرى التي قد تكون مرتبطة بالإدارة الأمريكية والاحتلال الصهيوني، وخاصة أن تركيا عضو في (الناتو), وتسعى للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي, وأنها دولة كبرى لها اعتباراتها وحساباتها في علاقاتها الدولية، فالاحتلال قد يرغب بتهدئة الجبهة مع تركيا والمقاومة الفلسطينية؛ لأنها تملك ضوءًا أخضر للقضاء على النووي الإيراني من خلال تصفية حسابات مع إيران وحليفها حزب الله.
الأهم من كل ذلك أن تركيا ودول الربيع العربي يجب ألا تسمح بذلك، مهما كانت سياسة العصا والجرزة الأمريكية, وأن الاستفراد بأي طرف هو إضعاف للأمة, وأن ضرب إيران يصب في تقويض الثورة السورية، وإنقاذ لنظام الأسد.
أعتقد أن الأمر يحتاج إلى اليقظة والانتباه من كل الأطراف، وعلى رأسها تركيا وإيران, وعلينا الاستغلال الأمثل للاعتذار بما يخدم الحق الفلسطيني, وكرامة الأمة, والتعاون والتنسيق لإبطال الاستغلال الأسوأ له من قبل الاحتلال، وفي المحصلة إن اعتذار مثل هذا يُشعرنا مجددًا بإمكانية أن يتقهقر الاحتلال.


