السبت 27 ديسمبر 2025 الساعة 04:55 م

مقالات وآراء

العار...أنك لم تقاوم...؟!

حجم الخط
كثر الحديث مؤخرا عن المقاومة أللاعنفية، وتناول الكثير من النقاد والمفكرين والمثقفين في فلسطين والعالم العربي هذه الظاهرة، بعين من الدراسة والبحث والتمحيص في اساسياتها وجذورها وفوائدها، حتى انقسموا الى ما هو معارض للفكرة وما هو مؤيد لها.
 
  المقاومة أللاعنفية وان تعددت مفاهيمها واختلفت مسمياتها هي ليست بالغريب عن تاريخنا القديم والمعاصر، واخص بالذكر هنا التجربة الفلسطينية، والممتدة في نشأتها بما يزيد عن قرن من الزمان، تعددت واختلفت في اشكالها وطريقة التعاطي معها، خلال المواجهة الشعبية للفلسطينيين في تصديهم للاحتلالات المتعاقبة على أرضهم، بمختلف منابع وتوجهات واصول هذه الاحتلالات التي تعاقبت على فلسطين .
 
 ما تشابهت فيه هذه الانظمة مجتمعة هو محاولة فرض شرعية وجودها على الارض والشعب  مجتمعين بكل الوسائل المتاحة لهذه الانظمة، والتي غالبا ما طغى عليها اسلوب القمع والعنف وارهاب المواطنين وسن القوانين الجائرة المصممة خصيصا لهذه الغاية.
 
 المتبصر في علم الاجتماع يعي تماما ان حركية المجتمع تجاه احتلال اجنبي لبلدهم سوف يحدث  ردة فعل جماهيرية غاضبة، وهي في اصولها فطرية عفوية غالبا ما تخرج بدون اي تخطيط مسبق، ويبقى الأمر متعلقا بأولئك الطليعة من ابناء الشعب الذين سوف ياخذون على عاتقهم تأجيج الصراع الذي تولد للتو، بمختلف الطرق والاليات التي تمكنهم من الاستمرار في هذا النضال الذي فرض عليهم وهم في غالب الاحيان لم يكونوا قد استعدوا لمثل هذا الاحتمال.
 
 ما تلبث الا ان تتمايز هذه الطليعة في اطار تعدد الوسائل، بحيث يأخذ هذا التمايز فيما بعد منحنا آخر من التوازي في الطرح ضمن تعدد الاراء وسرعان ما يقود الى الاختلاف، من اجل ذلك كانت الفصائل والاحزاب التي كثرت في الاوطان التي تتعرض لمثل ما تتعرض له فلسطين منذ عقود .
 
ولكن اللافت للنظر، وأنا هنا اتكلم من واقع ورحم التجربة التي نحياها كفلسطينيين. الاختلاف برغم ما فيه من خطر التفرقة والضعف الا انه مفيد وبت اعتقد انه تغيير لا بد منه في طريق نضج الشعوب وتشكلها ضمن ازمة الهوية التي يعيشها وطننا العربي .
 
ان التهديد بالخطر يبدأ يلوح بنفسه عندما تشرع هذه الحركات بفرض اسلوبها النضالي التي اختارته على بقية الفصائل والحركات التي تشكلت اصلا  لخدمة نفس القضية
 
الاصل في الامر ان تتعاضد الجهود وتتكاتف الصفوف لرد الخطر الداهم والذي لا يميز بين فصيل وآخر، على مبدأ التوازي في المسير النضالي، بحيث تتشكل في روافد نضالية تصب في تجمع واحد نحب ان نسميه كفلسطينيين.... بالمقاومة الفلسطينية..... ضمن وحدة المصير المشترك .
 
ان المقاومة اللاعنفية جاءت كخيار شعبي عفوي حر، فرض نفسه بقوة على الساحة الفلسطينية ،نتيجة احداثيات سياسية كثيرة اهمها عقم الانظمة العربية وتخلف شعوبها عن دورها الريادي ، والمشروع الصهيوني المدعوم بقوى العالم الكبرى وفشل الخيار العسكري كحل استراتيجي واحد للنضال،اضف إلى ذلك كله الغضب المتراكم والتعبئة الجماهيرية لحب المقاومة والتحرير من الاحتلال،والتي بلغت في حجم طاقاتها الى حدود الانفجار الثوري للجماهير .
 
 كان لزاما على طلائع وقيادات المجتمع الثوري الفلسطيني ان يتداركوا ويستثمروا هذا الانفجار ويسخروه لخدمة القضية  وتأجيج الصراع بحيث يبلغ اقصى مستوى يمكن له ان يبلغ حتى يأتي الحل فيما بعد ، وهذا فعلا ما حدث .
 
  الحديث  لأحدهم عن المقاومة الجماهيرية اللاعنفية وهو يجلس على الشرفة التسعين، يفقده الكثير من تفاصيل الحدث وانعكاساته الكثيرة والكبيرة على جوهر ونفسية المجتمع ككل والفرد بشكل خاص ، هذا الفرد التي صنعته احداث ومواجهات قاسية سوف لن يخرج بصورته التي كان عليها قبل تشكل الحدث، ليجد نفسه وقد تحول الى فرد عنيد واثق اخرج نفسه للتو من مرحلة الاحباط واليأس الى نفسية المقاتل الحر، ليبدأ يتذوق طعم التمرد على الظلم (كم هو قاس في صناعته كم هو لذيذ في مذاقه) ليصل الى حد الادمان في نفسية هذا الفرد، وبكل ما تولدت لديه من اللامبالاة المرعبة للعدو، وجد نفسه يصنع تاريخا ، ويصنع قرارا ، ويحدث اثرا سياسيا بالغا في ديناميكية الصراع والمواجهة التي سوف تستمر بمختلف الاليات والوسائل وبات يقدر ايها ستكون انجع وانجح في المرحلة القادمة .
 
 كفلسطيني عندما اخرج في نشاط جماهيري ضد الاحتلال فانني لن اطرح عملى هذا كبديل لاي نوع من انواع المقاومة على الساحة الفلسطينية ولا اجرم او احلل شيء انني وبكل حب وايمان بقضيتي اطرح نفسي رافدا وداعما  ومشاركا في مسير النضال الفلسطيني جنبا الى جنب مع كل الذين رفضوا الاحتلال فتحركوا ليردوه .
 
  هناك اصواتا كثيرة تعالت في بداية الانتفاضة الثانية ،تنادي الى عدم عسكرة الانتفاضة، حتى باتوا يجرمون اي نوع من المقاومة  خرجت عن وصفها بمقاومة لاعنفية، مثل الكفاح المسلح وظاهرة الاستشهاديين وما الى ذلك من اساليب. هؤلاء اما ان يكونوا قد تسرعوا بالحكم نتيجة حماسهم الزائد للمقاومة الجماهيرية اللاعنفية، او انه اجتهاد حر خرج من مشكاة المشاعر الوطنية وهم يرون ان المقاومة المسلحة على ارض فلسطين سوف تجلب الكثير من المعاناة لشعبهم ، واعطاء المبرر للاحتلال باستخدام اسلحته العنفية والتي بالطبع هي وبكل المقاييس اكفأ واقوى مما توفر من الرشح القليل للفلسطينيين ، ومهما تعددت آراء هؤلاء الناس فهذا سوف لن يضر في وحدة المجتمع ، اذا ما نظرنا اليه كرأي او مجرد اجتهاد خرج من دوافع مهمة تستحق النظر والتحليل والمناقشة اذا نظرنا بعين الاستراتيجيين بعيد عن اي عواطف واطنان من الغضب الكبير .
 
لم يخلق الحوار من اجل الاختلاف وتوليد البغض والاحقاد والاتهامات المتبادلة، انما وجد لتنوع الرؤى، وتبني الخيار المناسب للمرحلة المناسبة في الزمان والمكان المناسبين، ان خصوصية صراعنا كفلسطينيين، وما يتشابك به من اطراف متعددة ، تعتبر كلها اطراف ذات قدرات تأثيرية عالية اذا ما ارادت ذلك ، لتُصعِّب المهمة على الفلسطينيين خصوصا بعد تراجع الدور العربي الذي بات يعمل كوسيط في هذا الصراع بعد ان كان طرفا فيه ، وانتهاء الحرب الباردة لتخرج لنا قطبا   واحدا يدير عصى التحكم في المجتمع الدولي .
 
 من اجل ذلك كله كان لا بد من الاجتهاد ،وقد وجد الشعب نفسه قد تأهل لذلك بعد كل الذي لاقاه من تجارب واسعة الى ان يتخير البدائل الملائمة لمثل هذا الوضع المترهل في عمومه ، لتأتي الحاجة الى وجود الفرد العنيد، بكل ما اوتي من ضعف في الامكانيات وقوة في التصميم على المضي قدما في استئناف ما بدأه، طارحا انتفاضة الحجر كابتكار وابداع انفرد به   واسلوبا مفاجئا استطاع من خلاله ان يربك  كل الأطراف، ويلغي كل مخططاتهم، ويقلب طاولة التآمر الدولية على رأسهم، معلنا وفارضا وجوده المقدس في كينونة القضية وجوهرها .
 

من اجل ذلك جاء الجميع مهرولا اليه يعرض صفقاته، واخذ كل طرف يتدارك نفسه للبحث عن دورجديد له في هذه النظرية الجديدة لتأجيج الصراع والتي تسمى انتفاضة الحجر انتفاضة الانسان والارادة الصلبة، ليعيد بذلك تشكيل العلاقات من جديد ويتقدم في دوره ليقود الصراع ويصنع الحدث ، ما كان هذا الامر لينجح لولا الاستعداد المسبق للتضحية في اعلى مستوياتها . حاصروا هذا الشعب واذا بهم هم المحاصرون في عيون التاريخ والشعوب، أخرجوه من دائرة الحدث واذا بهم هم المخرجين ، ثم بات الواحد منا في فلسطين يتسآل ، اي اعجاز هذا ، ما سمعنا بهذا الامر من قبل ان شعبا اعزل ينتصر على كل هذه الجيوش لعلها نعمة التقديس لهذه الارض ومن عليها من شعب حر ، حر في قلبه في الوقت الذي استعبدت كل القلوب   الا من رحم ربك من الذين راعوا وداد لحظهم .

 اتدري ما اشعر انه يميزني كفلسطيني، إنني حر، صدقا أقولها لم اشعر يوما انني مستعبد لطالما انتصرت على جلادي لطالما هزمته بدمي وهو يقطع لحمي، وكلما كان يزيد من ذلك كنت انا الذي انتصر، ما رأيك في فرد يستحي   انه ما زال حيا لم يستشهد، هذا هو حال اهل فلسطين، من العار انك لم تعتقل حتى الآن، من العار انك لست مقاوما.
 

الانتفاضة قضت على الفرق الطبقي الذي يمزق الشعوب الاخرى فما يميزك عني هو انك اكثر نضالا اكثر تضحية اكثر حبا لوطنك، ويسعدك انك استطعت ان تبرهن هذا لنفسك ولربك، انك ياهذا تستطيع ان تفعل ما تشاء في فلسطين، اذا كنت   قد تحررت من مخاوفك ،تسب من تشاء وتغضب متى تشاء ، وتعلنها ثورة وقتما تشاء، لتموت متى تشاء وتعيش متى تشاء وتدخل الجنة بوعد الله لك متى تشاء عندما يكون الله يدك التي تضرب بها ورجلك التي تركض بها فرا وكرا في ميادين الحرية،

 لذلك كانت مفاهيم الاسلام هنا في فلسطين تمارس فعليا بعيد عن اي سرد نظري لهذه الاحكام ، سوف تشعر بفرض الجهاد شعورا حيا سوف تدرك لماذا جعله الله الطريق الازلي للجنة، سوف تعلم الى اي مدى قدم وضحى الحبيب المصطفى في حياته سوف تدرك حجم المعاناة التي بذلها الاحرار عبر التاريخ   من اجل مواقفهم الخالدة
 
ان المقاومة الجماهيرية مهما تعددت أسماؤها، سميها المقاومة الللاعنفية، المقاومة المدنية، الجهاد المدني المقدس، سميها مهما شئت وبكل حيثياتها سوف تخرجك شخصا آخر بعد اول تورط لك فيها ، انه تورط صعب الثبات فيه ، لكن فيه شيء من الادمان عليه .لتجد نفسك بعدها قد تحولت الى قنبلة موقوته يهابك كل الظالمين مهما كبرت قوى ظلمهم، حتى تجد تفسيرا مقنعا- لماذا تستوقفني كل حدود العالم للتفتيش ؟! ليس الأمر بهذه السهولة كما تظن، انه بحاجة الى شجاعة كبيرة، كم مرة راقصنا الموت على فوهات بنادق أعداءنا، لقد سميت انتفاضاتنا بلعبة الموت، الفائز من يموت شهيدا ، والخاسر يجرب حظه في مبارزات جديدة .
 

انه الجهاد بكل ما في المعنى من تجلي، لقد جاهدنا بصدورنا عندما منع عنا السلاح وجاهدنا بصوتنا عندما اخرس الجميع وجاهدنا بحبنا بثباتنا في ارض الرباط  عندما هرب الجميع، وعلمنا الناس كيف تكون حرا ايها الانسان .