السبت 27 ديسمبر 2025 الساعة 04:55 م

مقالات وآراء

من قصص التكافل في غزة

حجم الخط

لعل الأزمة المادية التي تعصف بالمواطنين في قطاع غزة لم يشهد لها مثيل، فالحصار يضرب أطنابه في كل نواحي الحياة، والأزمات الاجتماعية والنفسية تزداد كل يوم بحسب رصد علماء النفس والاجتماع، إضافة إلى ارتفاع نسبة البطالة والفقر وإغلاق المعابر وشح الموارد وانخفاض السيولة المالية بموازاة ارتفاع الأسعار بشكل جنوني ما جعل المواطن يعيش في أزمات متتالية وضغط متواصل ضمن حياة تحتاج إلى مقومات أكبر من استطاعته.

 

ورغم أن أثر الحصار طال كافة مجالات الحياة وأصاب جميع الشرائح حتى أولئك الذين لم يتأثروا  من قبل بحصار أو إغلاق من أصحاب الأعمال الخاصة والحرة  قد أصابهم جزء منه... إلا أنه على الجانب الآخر قرب المواطنين من بعضهم وجعلهم يتقاسمون الهموم والأحزان، وبدأت تظهر بشكل أكبر إشارات التكافل والإحساس بمشاعر الآخرين من ذوي الحاجة والعوز المادي، كل بما يستطيع  رغم قلة المادة وكثرة الحاجة وشمولها لكافة شرائح المجتمع....ورب ضارة نافعة.

 

أنقل في هذا المقام مشهدا صغيرا وعابرا من يوميات المواطنين والتي تحمل دلالات مضيئة تعبر عن أصالة هذا الشعب وروحه الوثابة المعطاءة ، بل وتبرز مدى الإحساس بالآخرين في لحظة الانتصار على الذات.

 

المشهد لطالب جامعي استقل سيارة عائدا إلى بيته، ولحظة إعطائه الأجرة للسائق تفاجأ بان النقود التي بحوزته مزورة، وللأسف لم يكن يحمل غيرها.. فقط 10 شواكل؟؟ لم يستطع السائق أن يفعل له شيئا، ولا يستطيع أحد أن يلومه فالوقود شحيح؛ وأسعاره مرتفعه، والركاب في تناقص ما جعله يوقف سيارته ويعتذر من الطالب بأنه لا يستطيع أن يكمل معه.

 

لم يستطع الطالب سوى الإذعان والنزول بعد حوار عقيم دار داخل السيارة عمن يتحمل مسؤولية النقود المزيفة؟ وكيف حصل عليها؟ وماذا سيفعل  ... الخ من نقاشات لا تقدم أو تأخر شيئا، أضف إلى ذلك مدى الإحراج الذي أصاب الشاب الجامعي... وكل من تواجد داخل السيارة يراقب حركاته وصوته المنخفض أثناء حديثه حتى لا يشعر أحدا بأمره.

 

رغم الهدوء الذي اتسم به الطالب ومحاولته إخفاء الإحراج الذي أصابه إلا أن طالبتين راقبتا المشهد من بدايته ومع نزول الشاب من السيارة أعطت أحداهن للسائق المبلغ المطلوب وطلبت منه إرجاع الطالب وإيصاله، تدخل شاب آخر وأرجع نقود الفتاة إليها بعدما أحس بالإحراج والإعجاب  في نفس الوقت من هذا الموقف الإنساني للفتاتين اللتين تعاملتا مع الأمر بمنطلق أخلاقي عبر عن سموهما وأصالتهما،  ومع تأثير الموقف قام الشاب بدفع المبلغ عوضا عن الفتاتين، ومع التدافع والتسابق بين الركاب فيمن يحوز بهذا الأجر الصغير كان السائق يراقب الأمر بدهشة وإعجاب ليتراجع عن موقفه السابق رافضا أن يأخذ من أي منهما الأجرة، مشاركا لهما تسابقهما بالأجر وشعورهما بالمسؤولية ومتجاهلا حاجته المادية وطول الطريق التي سينقل خلالها الطالب إلى بيته، والأجمل من كل هذا أن الشاب الذي قدم المساعدة قام باستبدال العشرة شواكل المزيفة بأخرى حقيقة مدعيا بأنه يستطيع تغييرها وهذا ما لا يمكن فعله ولكنه أراد أن يؤكد مرة ثانية على أنه يستطيع أن يقدم أكثر.

 

إلى هنا انتهى هذا المشهد البسيط المتواضع، ولكنه يحمل دلالات كبيرة تعبر عن قيم اجتماعية مغروسة في الأجيال، ولعل لكل قارئ قصة ونموذجا مر به أو عايشه واستطاع أن يدرك عظمة هذا الشعب الذي يعايش المأساة بكل تفاصيلها والحصار بكل وجعه وشدته ومع ذلك يتسابق لتقديم ما يستطيع بالكلمة الطيبة أو النصيحة أو المال رغم حاجة الجميع له، ويثبت في كل يوم أنه أقدر على تخطي أوجاعه فلن يستطيع عدونا أن يكسر إرادتنا أو يثني عزائمنا أو يغيب أخلاقنا ويهدم بناءنا، ولن يتمكن الفقر والحاجة من القضاء على بقائنا أو تشويه أحلامنا وثنينا عن أهدافنا.