عقد عدد من مراكز حقوق الإنسان في غزة مؤتمرا ًصحافياً صباح الأربعاء أدانوا فيه 'استيلاء' الحكومة الشرعية على مجمع المحاكم، ووضعها يدها على مجلس القضاء والسلطة القضائية، وشغل الهيئة القضائية بعناصر جدد. ممثلو المراكز تحدثوا في مؤتمرهم عن لا قانونية الخطوة، وعما أسموه تغولاً للسلطة التنفيذية على السلطة القضائية؛ فهل هذه هي حقيقة الحال؟
إن السلطة القضائية في فلسطين أثبتت أنها غير مستقلة عن السلطة التنفيذية؛ بل بالأحرى هي غير مستقلة عن حركة فتح. هؤلاء القضاة الذين حزن الحقوقيون لسحب البساط من تحت أقدامهم، أقدموا على تعطيل القضاء، وتعطيل النظر في القضايا وتجميدها. وسعى هؤلاء مؤتمرين بأمر رام الله إلى التوقف عن جمع الرسوم في المحاكم (رسوم دعاوى؛ وكفالات؛ وخلافه) – لئلا تنتهي في يد الحكومة الشرعية. هذه الخطوة جاءت متكاملة مع انصياع جهاز الشرطة القديم – في أغلبه – لترتيبات رام الله في الجلوس في البيت وعدم الوقوف على رأس عملهم؛ الأمر الذي انسحب أيضاً على وكلاء النيابة؛ وانسحب حتى على جسم مستقل آخر – أو بالأحرى كنا نظنه مستقلاً – وهو نقابة المحامين. فهذه النقابة أصدرت تعميماً على أعضاءها بعدم الترافع أمام المحاكم 'الحمساوية' هي الأخرى!
إذاً نحن بصدد شرطي لا يريد أن يمسك الحرامي؛ وقاضٍ يقبل أن تتعطل الأحكام، ويقبل أن تتعطل مصالح الناس، وأن لا يسود القانون. نحن بصدد هيئة قضائية وهيئة شرطية تآمرتا مع الحكومة الموالية للاحتلال في رام الله على أن يجلس القضاة والشرطة ووكلاء النيابة في البيوت ويقبضوا مال عملاء الاحتلال في سبيل أن يغرق القضاء في قطاع غزة؛ وأن تغرق حماس أيضاً وتعجز عن توفير الأمن للناس – هذا الأمن الذي كان صوت الأغلبية الكاسحة التي دعمت الحركة في حملة التطهير التي شنتها على ميليشيا فتح الموالية للاحتلال والمتغولة على أجهزة السلطة يوم 14-6-2007. ولم يكتف القضاء وحده ولا الشرطة ولا النيابة العامة بهذا وحسب؛ بل انضم لهم كما قلنا جسمٌ مهنيٌ أيضاً؛ وعلى قاعدة قبض رواتب النقابة – نقابة المحامين - مقابل الجلوس في البيت والامتناع عن خدمة الجمهور في أي شأنٍ قانوني!
فهل كان هذا القضاء مستقلاً؟
وهل كان قضاء مسؤولاً؟
وهل كانت القطط التي قررت أن تتنكر لفطرتها وتتوقف عن أكل الفئران قططاً طبيعيةً حقاً؟
حاول ممثلو المراكز الحقوقية 'تدويخ' الصحافيين في دوامة تفاصيل ما جرى؛ وحاولوا حكاية القصة من المشهد الأخير فقط؛ أي من مشهد تغيير المجلس القضائي على يد حماس. صحيحٌ أنهم ذَكَّروا بإدانتهم لتعطيل عمل الشرطة في غزة بسبب إجراءات الحكومة الموالية للاحتلال؛ لكن هذا تم في إطار ضبابي يُضَيِّع المعنى الإجمالي لما يجري. كان عليهم النظر للمشهد من أعلى ومن موضعٍ يجعل الناظر يرى الصورة بكليِّتها؛ وحينها كانت ستبدو الحقيقة كالآتي: هناك حكومةٌ عميلةٌ تعطِّل الأمن عمداً، من خلال التحكم بالأجهزة التنفيذية التي أداراتها سابقاً؛ وهناك حكومةٌ شرعيةٌ تَهُبُّ لملء الفراغ الأمني الحاصل. حين حدث ذلك؛ صعّدت الحكومة العميلة – من خلال 'دلالها' ونفوذها على القضاء – وجعلت المجلس القضائي القديم يرفض التعاون مع الحكومة الشرعية في غزة بحجة أن الشرطة الجديدة والنيابة العامة الجديدة غير قانونيتين؟! وهكذا تمضي قصة 'إبريق' الزيت وفق شعار 'صحيح لا تكسر ومكسور لا توكل وكل تا تشبع' يا نظام حماس في غزة! ويمكن لمن أراد التلبيس والتدليس أن يتذرع بنصٍ قانونيٍ يدين حماس في كل خطوة اتخذتها على حدة؛ ويمكن التهويش والتمويه والخداع على من لا يقرأ الصورة الكاملة. أما من يرى الموضوع كوحدةٍ واحدةٍ، فهو سَيَرَى شرطةً وقضاءً مجرمين – أعني الجهازين القديمين – قَبِلا أن تُحلَق كرامة القانون والعدل حرصاً على رواتب العملاء وإنصياعاً لإرادتهم. وخروج المراكز الحقوقية للدفاع عن هذا التهويش والتمويه؛ وقيامها بالتغافل عن المعنى الإجمالي الخطير لجريمة قضاء فتح؛ وشرطة فتح؛ ونقابة محامي فتح – قيام هذه المراكز بكل هذا هو بكل أسف نوعٌ من شهادة الزور ونوع من توفير الحماية للانقلاب على الحق.
أنا لست قانونياً (أنا متأكد أن المجلس القضائي الجديد سيدافع عن نفسه أمام اتهامات المراكز الحقوقية) لكنني أعرف أنه إن تعارض القانون مع الدستور فإن القانونَ يلغى؛ وإن تعارض الدستور مع مصلحةِ الأمة فإن الأمة تكتب غيره! ويجب أن يعلم الحقوقيون والإعلاميون وغيرهم أن حفظ الضرورات الخمس وحفظ مقاصد الشريعة وأموال وأبدان وعقول وأعراض الناس تقع في الرتبة الأولى؛ وأن على حماس أن تضمن كل هذه قبل إنتظار الحصول على شهادة مقبولية من قضاء متواطيء؛ وشرطة مرتزقة؛ ونقابة محامين عصابية؛ ومراكز حقوق إنسان توفر الحماية 'الأخلاقية' لكل هذا بقصدٍ أو بدون قصد!
إنَّ ما قامت به حماس من إحلالٍ لشرطةٍ ونيابةٍ عامةٍ وقضاءٍ جديد محل الأجهزة القديمة التابعة أو المصرة على التواطيء مع الحكومة الموالية للاحتلال في رام الله لهو إنجازٌ كبير؛ وفتحٌ يستحق الإشادة. وأنا أتطلع لأن أرى حماس – حين تساعدها الظروف - تتوسع في هذه الخطوة لتشمل باقي الملفات الداخلية الأخرى من أجهزةٍ حكوميةٍ، وبلديات ونقابات ومنظمات مجتمع مدني؛ وصولاً للملفات الخارجية الكبرى التي تتعلق بتمثيل فلسطين باسم حكومتها الشرعية؛ وتمثيل المقاومة وكل قطاعات الشعب الفلسطيني المؤيد للمقاومة في أكثريته؛ وعدم ترك اسم فلسطين يهان في الداخل على يد أطباء وشرطة وقضاة مجرمين لا يكترثون لو ضاعت مصالح الناس – ما دامت رواتبهم تدفع – وعدم ترك اسم فلسطين يُهَان في الخارج على يد الحكومة الموالية للاحتلال.
إن هذا التطهير القضائي هو خطوةٌ ممتازةٌ على صعيدِ النهوضِ بوضع الحركة في غزة من الحركة والحزب الذي أنقذ وطناً من خلف جلد الأجرب إلى الحركة التي تدير دولة؛ وهو أمر يجب أن يثلج صدر كل فلسطيني وطني.
بقلم رشيد ثابت
6/12/2006


