الثلاثاء 20 أكتوبر 2020 الساعة 02:41 م

مقالات وآراء

بالعقل لا بالعاطفة

حجم الخط

بعفوية مطلقة، وبمشاعر الارتياح والمباركة خرجت الجماهير الفلسطينية في استفتاء شعبي طوعي مرحبة باتفاق مكة الكرمة، وخلال دقائق عادت الحياة في قطاع غزة تحديداً لطبيعتها بعد مواجهات دامية فرضها تيار أوسلو الانقلابي ورموز الفتنة، كانت نتيجتها دماء فلسطينية عزيزة غالية وخسائر كثيرة أظهرتنا أمام العالم بمظهر لا يليق بتاريخ شعبنا ونضاله.

 

هذه الفرحة الجماهيرية ومعها بيانات الترحيب والتأييد والمباركة من كل حدب وصوب فرضت طبيعة عاطفية جداً على هذا الاتفاق، وفرضت أيضاً على كل من تناول الاتفاق وما قد يترتب عنه من نتائج أن يبقى في دائرة التفاؤل العاطفي، لكن على حساب التحليل الموضوعي الواقعي لما تم الاتفاق عليه في مكة المكرمة، إن كان ثمة اتفاق قد حدث، فالعاطفة وحدها لا تكفي لتحصين المجتمع الفلسطيني من نار الفتنة و المؤامرات!

 

إلى ما قبل الوصول إلى مكة كانت حركة حماس تواجه بعد كل حوار باعتراضات جديدة من قبل المتحاورين معها من حركة فتح، بل تراجع كامل عما تم الاتفاق عليه، كما حدث في وثيقة الأسرى التي أصبحت فجأة غير صالحة كأرضية ومرجعية مقبولة، وكذلك وقف الحوار واعلان وصوله لأفق مسدود فجأة في مؤتمر عبّاس ورايس الصحفي في زيارتها الأخيرة، وأخيراً التهديد بالانتخابات المبكرة غير الدستورية، وكان الشيء الوحيد الثابت في كل الحوارات هو مطالبة حماس الاعتراف بالاحتلال وشرعيته بشكل مباشر أو عبر وسائل ملتوية مثل الاقرار بوثيقة الاستقلال، أو قرارات منظمة التحرير الفلسطينية، أو الشرعية الدولية أو المبادرة العربية، وهو ما استطاعت حركة حماس تجنبه حتى اتفاق مكة على الأقل.

 

حقيقة الأمر ودون مجاملات لم ينتج عن اتفاق مكة المكرمة أي جديد، فالنقاط الأربع المتفق عليها هي ذاتها التي اتفق عليها في شهر أيلول/سبتمبر من العام الماضي في حوار غزة، وهي ذات البنود في حوارات القاهرة ودمشق، وتكاد تكون مطابقة للمبادرة القطرية، الفارق الوحيد أنها جاءت بعد أن سال الدم الفلسطيني غزيراً في أحداث مؤسفة شهدها قطاع غزة وبعض أعمال العربدة المنظمة في مدينة نابلس تحديداً، فما الذي تغير حتى يقبل التيار الانقلابي ما سبق ورفضه؟ عوامل عدة كان لها دور في تراجع تيار الفتنة عن مخططه، أو لنكن أكثر وضوحاً: تأجيل المواجهة وترحيلها.

 

لقد وصل تيار أوسلو وقادة الفتنة إلى قناعة أن اسقاط خيار الشعب عبر سياسات ال 5 بلدي لن ينجح، وأن حسم الأمر عسكرياً أمر مستحيل حتى مع عشرات الملايين من الدولارات التي صبت مؤخراً لدعم تيار عبّاس وتزويده بكل ما يلزم من عتاد وذخيرة، وكذلك فشل هذا التيار في نقل الفتنة التي أشعلوها للضفة الغربية وهو ماكانوا يراهنون عليه طوال الوقت عبر سلسلة طويلة من التصريحات والتهديدات الرسمية كالتي وردت على لسان زياد أبو عين في شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أو في بيانات أكثر من ناطق رسمي لحركة فتح، أو من خلال بيانات مجموعات شهداء الأقصى، بل وصل الأمر للتهديد بنقل المواجهة لخارج الساحة الفلسطينية كتهديد يونس الرجوب في عمّان.

 

جاءت الدعوة للحوار هذه المرة من المملكة العربية السعودية، فكان من الصعب على محمود عبّاس رفضها، وكذلك وجدت فيها حركة حماس نوع من اضفاء الشرعية العربية عليها وفتح للأبواب الموصدة في وجهها حتى اللحظة، ولا يشك عاقل أن المبادرة ما كانت لتكون دون تنسيق مسبق مع الولايات المتحدة الأمريكية التي تجد نفسها في ورطة اقليمية وبحاجة لتهدئة الساحة الفلسطينية ولو مؤقتاً في ظل عدم امكانية الحسم لصالح القوى التي تدعمها علناً، فكان للدعوة القبول والترحيب من الفرقاء كلٍ لأسبابه الخاصة.

 

رغم كل ما رشح من تفاصيل حول الحوارات في مكة، والتجاذب الذي حدث في بداياتها‘ إلا أنه ودون شك فقد كان للنوايا الطيبة والإصرار على وقف الاحتقان والاقتتال دور رئيسي في قبول ما كان مرفوضاً حتى اللحظة، وتم التوافق على صياغات مبهمة عمومية تقبل التأويل والتحليل ، وبالتالي يمكن تسويق الاتفاق بصيغة 'لا غالب ولا مغلوب'، ومع استرضاء الطرف الغربي من خلال التلاعب بعبارتي الالتزام والاحترام التي أشبعها المحللون بحثاً من حيث التطابق من عدمه ومعنى الاحترام والالتزام، فكان أن سوّق كل طرف الاتفاق كنوع من التمسك بالمواقف دون تنازل أو تراجع.

 

في أحسن الأحوال يمكن النظر لتلك الصياغة المبهمة كنوع من المرونة السياسية المطلوبة للتعامل مع المتطلبات الدولية لرفع الحصار الجائر المفروض على الشعب الفلسطيني، وفي أسوأها نوع من التراجع المغلف بقناع الدبلوماسية والتكتيك، ولنتذكر أنه سبق  واعترفت ما تُسمى الشرعية الدولية واللجنة الرباعية، بنتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة، وأنها قامت على أسس ديمقراطية، وماذا حصل بعد ذلك؟، رفضت التعاون مع من اختاره الشعب الفلسطيني قيادة له، وسيوافقون مجدداً على تشكيل حكومة وحدة وطنية، وسيبتدعون وسائل وطرق التفافية على عرقلتها مجدداً، وبنفس الأسلوب واللغة المعتمدة سابقاً، بأن حماس عليها الإعتراف بـ'اسرائيل'، فما الجديد بورقة تلك الشرعية وكل اللجان الدولية المنحازة للإحتلال، والضاغطة على حماس كحركة مقاومة للرضوخ والإذعان لشروطها؟.ليس المهم أن يوافقوا، ولكن المهم أن يرفعوا الحصار، كبادرة حسن نوايا، وبدون شروط مسبقة.

 

خرج اتفاق مكة المكرمة وكتاب التكليف بالصياغة العمومية المبهمة وتم ترحيل وتأجيل معظم الأمور لمناقشتها لاحقاً، أي بعد العودة لفلسطين المحتلة، وشكلت لذلك اللجان وبدأت بوادر أزمة بسبب منصب هنا وقرار هناك،  وخرجت ذات أبواق الفتنة إياها لتعلن أنه من غير المسموح وضع اشتراطات جديدة، وكأن مناقشة آليات التطبيق للاتفاق هي اشتراطات، وصاح الجميع: 'نفذ ثم اعترض'، وكان لهم ذلك الخميس الماضي 15/02/2007 مع استقالة الحكومة الحالية وتكليف السيد اسماعيل هنية تشكيل الحكومة القادمة لتكون إن نجحت أول حكومة وحدة وطنية فلسطينية، رغم معارضة وتحفظ قوى اليسار الفلسطيني، ورغم ادعاءات بعض الجهلة أنها حكومة الوحدة الوطنية الثامنة! اللهم إلا إذا اعتبروا مشاركة عبد ربه في الحكومات السابقة وحدة وطنية وتعددية سياسية.

 

ما من شك أن أي جهد لوقف نزيف الدم الفلسطيني هو موضع ترحيب، ولا يمكن إلا النظر لاتفاق مكة المكرمة كخطوة في الاتجاه الصحيح، لكن هذا لا يمنعنا من التركيز على السلبيات والمحاذير التي وقعت فيها الأطراف وخاصة حركة حماس التي صمدت حتى اللحظة في وجه عواصف التآمر، لكنها في هذا الاتفاق فتحت باب التأويل لمواقفها، فكان أن سمعت تعليقات من باب: 'أول الرقص حنجلة'، و'انتزعت اليوم المواقف وستسقط غداً القلاع وتخترق الحصون'، و'بدأت حماس اليوم من حيث انتهت فتح'، وغيرها من التعليقات التي صدرت وتصدر عن أناس لا اشك في مواقفهم ووطنيتهم، ولن أدافع اليوم عن الاتفاق وايجابياته، فقد سبقني لذلك العديد من الكتاب والمحللين والباحثين، وهي دون شك كثيرة، لكن هناك أيضاً سلبيات قد تتحول لقنابل موقوتة تهدد بانفجار كبير لاحقاً لا سمح الله.

 

علينا اليوم أن نضع النقاط على الحروف وبتجرد من كل عاطفة وانفعال، وبتفكير أبعد من اليوم للنظر للغد الذي نتمناه مشرقاً إن شاء الله، واسمحوا لي أن أطرح النقاط والتساؤلات التالية التي تدور بخلد الكثير من ابناء الشعب الفلسطيني:

 

الوحدة الوطنية الفلسطينية هدف الجميع، وغاية نبيلة نتمنى الوصول إليها، لكن من حقنا أن نتساءل كيف يمكن تحقيق الوحدة الوطنية دون معالجة جذور المشكلة والفتنة التي عصفت بمجتمعنا، وهل تكفي سياسات 'تبويس اللحى' و'عفا الله عما سلف' لتحقيق تلك الوحدة.
 

حكومة الوحدة الوطنية هي الأداة لتفعيل الاتفاق، لكن وبصراحة مطلقة لا نعرف ما هو برنامج هذه الحكومة في ظل إصرار كل طرف على مواقفه، وفي ظل وجود برنامجين متناقضين تماماً لفتح وحماس، ومع وجود أطراف موتورة تحاول ليل نهار انتزاع المواقف كما فعل ياسر عبد ربه مؤخراً من خلال مهاجمة مستشار رئيس الوزراء أحمد يوسف.
 

أضفى الاتفاق شرعية منزوعة جماهيرياً عن زمرة الفساد والإفساد، فأصبح رأس الفتنة ولياً حميماً يستحق الشكر والثناء، ومع تقديري واقراري أن باب التوبة مفتوح للجميع ولن نضيق واسعاً، إلا أنني حتى اللحظة لم ألمس أي تراجع عن المواقف والأفعال السابقة، بل إصرار عليها وتمسك بها، فهل يعقل أن تُغلق كل الملفات لمن أجرم بحق الشعب الفلسطيني؟
 

ما هي الضمانات لرفع الحصار الدولي عن الشعب الفلسطيني؟، بعد أن رفعت الدول العربية -الغطاء المفترض للاتفاق- أياديها، واكتفت بالترحيب والتهنئة، وبعد تمسك الرباعية بشروطها؟ وما فائدة تغيير الحكومة إن لم تكن هناك ضمانات للتعامل معها؟
هل ستقبل الأطراف وخاصة حركة حماس أن تكون هناك حكومة برأسين أو طرفين؟ أي أن يتعامل المجتمع الدولي مع وزراء فتح مع كامل الحرية في الحركة والتنقل والاجتماع، ويقاطع وزراء حماس ويفرض عليهم الحصار بل الاعتقال وربما الاغتيال؟ وهو ما تلوح له الإدارة الأمريكية ومن لف لفها.
 

ما هو مصير النواب والوزراء في سجون ومعتقلات الاحتلال؟ وهل تم الاتفاق على ما هو مصير النواب والوزراء في سجون ومعتقلات الاحتلال؟ وهل تم الاتفاق على إطلاق سراحهم بعد أن اختطفوا لا لذنب إلا لقبولهم بالقيام بواجبهم نحو شعبهم؟ وإن تم تجاهل مصيرهم اليوم فهل سيزيد عددهم من الوزراء الجدد الذي لا حصانة لهم؟
 

ملفات الفساد والافساد وبرنامج التغيير والاصلاح: من خلال سياسات عفا الله عما سلف، يبدو أن هذه الملفات سيكون مصيرها رفوف النسيان ليستمتع كل لص بما سرق وكل مجرم بما نهب! ليس من المنطقي أو المقبول أن نبدأ صفحة جديدة دون أن نتطوي الصفحات السوداء في تاريخنا، وهذا لن يكون إلا بإحقاق الحق، والاتفاق يجب أن يكون فرصة لفتح هذه الملفات لا اغلاقها.
 

من حق التنظيمات والفصائل التنازل عن حقها أمام الطرف الآخر، لكن ليس من حقها أن تسقط الحق الفردي والخاص لكل فرد تتضرر وتأذى من ممارسات أوسلو اللعينة، ومن هذا المنطلق أتمسك بحقي في الدعوى المرفوعة على محمود رضا عباس عباس.
 

عشرات الآلاف من أفراد الأجهزة الأمنية -الذين شارك بعض منهم في أعمال الشغب والعربدة، وما تدمير الجامعة الاسلامية واحراقها إلا شاهد حي على همجيتهم، إضافة لما تتحمله ميزانية الشعب الفلسطيني للإبقاء عليهم، ألم يحن الوقت بعد لإعادة توزيعهم على أنشطة منتجة مفيدة كالزراعة ورصف الطرق وتنظيف الأحياء وغيرها بدلاً من ابقاء البطالة المقنعة التي يمثلونها؟
 

ماذا عن المال والعتاد المتدفق لتسمين حرس الرئاسة؟  ما مبرر هذا الدعم وهل هو لمصلحة الشعب الفلسطيني؟
 

أين جهاز القضاء الذي سيكون حامي أي اتفاق ومانع لقانون الغاب ومؤكداً لمبدأ سيادة القانون؟ أين آليات تفعيل هذا الجهاز؟ قد يقول البعض ستكون في خطوات لاحقة وهذا كلام مردود عليه، فقد ينشب خلاف اليوم ويودي بكل شيء، ولنتذكر أن فئة الفساد والإفساد لم تتوقف عن القيام بدورها حتى اللحظة وما حادثة إطلاق النار اليوم في الضفة الغربية إلا دليل على ذلك.
 

أليس من المستغرب أن الأمور هدأت تماماً بعد اتفاق مكة المكرمة؟ وهل من أمر بوقف العربدة غير قادر على إثارتها من جديد لابتزاز المواقف، خاصة بعد نجاحه في ذلك وفرض اتفاق كان مرفوضاً بعد أن استثمر الدماء الغالية التي سالت؟
 

ماذا لو فشلت الحكومة الجديدة في تحقيق أهدافها خاصة بالنسبة للمجتمع الدولي؟ وهل ستقبل برنامج يدعم المقاومة و يحمي سلاحها؟ أم نعود لنفس الموال وكأنك يا أبو زيد ما غزيت؟
 

الشراكة السياسية تعني الجميع دون استثناء، فأين الحوار الوطني الشامل للجميع؟ والجميع هنا هو كل القوى السياسية في الداخل الفلسطيني وفي الشتات.
 

تراجع تيار أوسلو عن اتفاقات القاهرة في شهر مارس/آذار 2005 حول إعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية، وشكلت اليوم لجنة لهذا الغرض، لكن هل سيكون مصيرها كمصير سابقاتها؟
 

النقاط والأسئلة كثيرة وكثيرة جداً، والغموض الذي لف وما زال يلف تفاصيل الاتفاق يزيد من التساؤلات، واللغة الجديدة التي أعلنت عنها حركة حماس تشبة سياسة 'لعم' الشهيرة التي صبغت السياسة الفلسطينية منذ السبعينيات.

 

ما نراه اليوم أن هذا الاتفاق بايجابياته وسلبياته لم يحقق الكثير إلا في ترحيل قضايا الخلاف لمرحلة لاحقة قد تكون كارثية، وهو أيضاً مرحلة التقاط أنفاس للأطراف الموقعة عليه استعداداً لمواجهة نتمنى أن لا تكون، وما من طريق لمنع الكارثة إلا بالمصارحة والمكاشفة والإجابة على التساؤلات التي تشغل بال الرأي العام الفلسطيني، والذي أظهرت استطلاعات الرأي أنه وبرغم الاتفاق لا زال أكثر من 80% من ابنائه لا يشعرون بالأمن والأمان.

 

الوحدة الوطنية لها أساس وشروط وضمانات لنجاحها، الشراكة السياسية هي للجميع، والحكومة لا يمكن أن تكون ممثلة للشعب الفلسطيني وفيها رموز عليها اتهامات بالاجرام والفساد، وبرنامج الوفاق لا يكون على أساس استرضاء واستعطاف أعداء الشعب الفلسطيني، لكن من خلال التمسك بالحقوق والثوابت المشروعة لشعبنا، وبرفض كل الضغوط للتنازل والتفريط.

 

كعادة البعض ممن يعتبرون أي خلاف جريمة نكراء، سيُنظر لما ذكرنا أنه موقف ضد الوحدة الوطنية والوفاق ودعوة للإقتتال، وهذا قصور في الفهم لن نتوقف عنده، لكني أقول أن تحليل النتائج بالمنطق والعقل وبعيداً عن العاطفة هو الضمان الحقيقي للنجاح عبر سد الثغرات، وسحب البساط من تحت المتربصين الحالمين، وتفادي كل ما يمكن أن يسيء لشعبنا وتاريخه ونضاله.

 

على الجميع دون استثناء أن يكونوا في اشد درجات الحيطة والحذر، وكذلك الوضوح لا الغموض، والتصريح لا التلميح، فأنصاف المواقف، واسترضاء الأطراف عبر استخدام جمال اللغة العربية لن يقنع أحد، وفي النهاية نحن أصحاب حق وقضية، والعالم كله سيرضخ لإرادتنا ان تمسكنا بمواقفنا وحقوقنا ورفضنا تمييعها وتجميلها كما يريد لنا البعض.

 

د.إبراهيم حمّامي
DrHamami@Hotmail.com
17/02/2007