تواجه «إسرائيل» أزمة خيارات إزاء مستقبل تعاملها مع الشأن السوري، ولا سيما في كل ما يتعلق بمواجهة خطر تسرب السلاح السوري إلى منظمة حزب الله، أو الجماعات الإسلامية السنية التي يتوقع أن تعلب دوراً محورياً في إدارة شؤون سوريا، في أعقاب سقوط نظام الأسد.
فعلى الرغم من أن وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك ألمح بشكل واضح إلى مسؤولية «إسرائيل» عن عمليات القصف التي طالت أهدافاً عدة في سوريا مؤخراً، وعلى الرغم من أن حكام «تل أبيب» حرصوا على التسريب لوسائل الإعلام الإسرائيلية، أن هذه الهجمات لن تكون الأخيرة، ومع أن ديوان نتنياهو ألمح إلى أن إدارة الرئيس أوباما قد أعطت «تل أبيب» الضوء الأخضر لاستئناف القصف داخل سوريا، كلما رأت أن هناك ضرورة لذلك على الرغم من كل ذلك، إلا أن النخب الإسرائيلية الحاكمة باتت معنية بتسوية سياسية للأزمة السورية تسهم في توفير حل يقلص فرص حدوث مزيد من التدهور في بيئتها الاستراتيجية، وفي الوقت ذاته قد يغنيها عن استخدام خيار القوة في مواجهة البرنامج النووي الإيراني.
وقبل الخوض في مسوغات رهان «إسرائيل» على تسوية شاملة، فإن جدلاً قد تفجر داخل «إسرائيل»، شاركت فيه نخب عسكرية وسياسية ودبلوماسية، حيث تعرض هذا الجدل لسؤالين أساسيين: هل من مصلحة «إسرائيل» إعاقة وصول السلاح السوري لحزب الله، أم إبقاؤه في سوريا ليقع في أيدي الجماعات الإسلامية السنية؟ أما السؤال الثاني فهو جديد قديم، لكنه اكتسب أهمية: هل من مصلحة «إسرائيل» أن يدفع الغرب نحو حل يؤدي إلى غياب الأسد، تماماً كما حدث مع نظام معمر القذافي؟
وقد تصدى للإجابة عن السؤال الأول الجنرال شلومو غازيت القائد الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية، حيث وجه انتقادات حادة لقرار قصف قوافل السلاح السوري التي يحاول حزب الله نقلها إلى لبنان. ويجزم غازيت قائلاً إنه في ظل تعاظم المؤشرات على سقوط الأسد، فإنه يتوجب على «إسرائيل» المساعدة على نقل السلاح السوري إلى حزب الله وعدم السماح بسقوطه في أيدي الجماعات الإسلامية. وحسب غازيت فإنه بخلاف حزب الله، من المستحيل أن تتمكن «إسرائيل» من ردع الجماعات السنية؛ حيث إن هذه الجماعات ستقدم على استخدام السلاح الذي ستسيطر عليه ضد «إسرائيل»، في حين أن «إسرائيل» حققت قدراً كبيراً من الردع تجاه حزب الله إلى درجة أنه لم يجرؤ على مهاجمة «إسرائيل» منذ 2006، على الرغم من أن «إسرائيل» اغتالت عماد مغنية، وتواصل عمليات القصف داخل لبنان. في الوقت ذاته يرى غازيت أن دخول حزب الله في الحكومة اللبنانية ومشاركته في المواجهات الداخلية أضعف الحزب، وقلص من هامش المناورة أمامه إلى درجة أنه لن يجرؤ على مهاجمة «إسرائيل».
ويحذر غازيت من خطورة إبقاء السلاح السوري في أيدي الجماعات الإسلامية المتقاطعة مع تنظيم القاعدة في أفكارها، مشيراً إلى أن حصول مثل هذه الجماعات على السلاح المتطور داخل سوريا، يعني تهديد العمق الاستراتيجي للدولة العبرية بشكل غير مسبوق. وقد أسهم سفير «إسرائيل» الأسبق في واشنطن زلمان شوفال في إشعال الجدل القديم الجديد حول مصلحة «إسرائيل» في بقاء نظام الأسد. ودعا شوفال الذي يعد أحد أقرب المقربين من نتيناهو -والذي تربطه علاقات قوية مع المنظمات اليهودية الأمريكية والأغلبية الجمهورية في الكونغرس- صراحة إلى استيعاب الدرس من إسقاط نظام معمر القذافي، وعدم عودة الغرب إلى نفس الخطأ في سوريا، مشيراً إلى أن ليبيا أصبحت المصدر الرئيس لتهريب السلاح الذي يزود القاعدة في المغرب العربي وحماس في غزة. ويرى شوفال أن الغرب و»إسرائيل» هما الخاسر الأكبر لغياب الأسد عن سوريا. وحذر شوفال من أن الغرب سيخيب ظنه في الجماعات التي ستخلف الأسد في الحكم، كما خاب ظنه في الذين خلفوا القذافي في حكم ليبيا.
ويقول شوفال إنه تبين بشكل لا يقبل التأويل أن القذافي كان صادقاً عندما قال إنه هو الذي كان يمنع «الإسلاميين المتطرفين» من ضرب أوروبا؛ بدليل أنه بسقوط القذافي تحولت ليبيا إلى ساحة انطلاق للجماعات الإسلامية، مشيراً إلى أن الجماعات التي اختطفت الأجانب في الجزائر مؤخراً قدمت من ليبيا، ويجزم شوفال بأن ما حدث في ليبيا سيحدث «أفظع» منه في سوريا.
وفي ظل هذا الجدل تبين أن النخب الحاكمة في «إسرائيل»، تطمح إلى أن تسفر الجهود الدولية التي تبذل لحل الأزمة السورية عن تحقيق هدف استراتيجي من الطراز الأول للدولة العبرية.
ويتضح أن صناع القرار في «تل أبيب» يطمحون إلى أن تنجح الولايات المتحدة بالتعاون مع روسيا في إبرام صفقة مع إيران، يتم بموجبها التوصل إلى حل سياسي للأزمة السورية يضمن الحفاظ على المصالح الإيرانية في المنطقة، مقابل التزام إيران بتخليها عن مواصلة تطوير برنامجها النووي. يأمل الصهاينة أن يكون حرص الإيرانيين على إبقاء سوريا ضمن مناطق نفوذهم دافعاً لهم، لإبداء مرونة إزاء برنامجهم النووي. ويتضح مما يتم تداوله في «إسرائيل» أن النخب السياسية الحاكمة في «تل أبيب»، تأمل أن تنجح الإدارة الأمريكية في طبخ مثل هذه الصفقة. ومن الواضح إن «إسرائيل» –في حال تم تجسيد هذه الصفقة- تضمن ثبات الأوضاع على جبهتها الشرقية، أي الحفاظ على حارس هذا الثبات، ألا وهو نظام بشار الأسد.


