انقلب ما كان يجب أن يكون موسم خير مطرياً، جاء بعد انقطاع وجفاف وجدب الى موسم كارثي زاد من معاناة الشعب، حتى ما عادوا يرون النعمة من ورائه والبرد والغرق والغلاء يحكم على رقابهم كماشة الفساد، ويحول النعمة والمنحة الى نقمة ومحنة.
الشعب مُحاسب ومسؤول ومخطئ بقدر المسوؤلين، فقد ترك لهم الحبل على الغارب، بل دفع الضرائب والفواتير من جيبه لمؤسسات الدولة وللشركات المخصخصة التي أثبتت أنها ليست أحسن حالا، ولا أقدر من القطاع الحكومي، وأن الفساد قد ضرب أطنابه في البلاد في كل القطاعات، حتى الشركات التي بيعت للغرب خلعت أثواب الكفاءة والشفافية من حيث جاءت من بلادها الأم، ولبست أثواب الغش والتقصير خاصتنا!
الشعب مُحاسب ومسؤول والقصة قديمة بقدم التاريخ من أن غياب المساءلة والمحاسبة والعقاب نتائجه وخيمة، ستطول الصالح والطالح كما حصل مع القوم الذين اقتسموا السفينة فأخذ بعضهم أعلاها والبعض الآخر أسفلها، فأراد ساكنو الجزء السفلي أن يحدثوا فيها خرقا مع قناعتهم أنهم أحرار بجزئهم من السفينة، وأنهم لن يضروا غيرهم، ولكن ساكني الطابق العلوي منعوهم فنجوا جميعا، أما نحن فخرق الفاسدون كل سفننا ومراسينا، واقتلعوا جذور مقاومتنا دون أن نحرك ساكنا، بل دخل المعظم في أكذوبة الانتخابات، وأضحوكة التغيير من الداخل، ناسين أن البناء على جرف هار لا يصمد أمام أصغر العواصف!
في البلاد التي تحترم الانسان ولا تتاجر به تطير الحكومات بأقل من هذه المصائب، ويمتنع المواطنون عن دفع الضرائب، وفي بلادنا يطير صواب المواطن وهو يتحمل كلفة باهظة في نعمة مجانية، كانت لتحيي البلاد والعباد والزرع والدواب!
كتب الكثيرون وحللوا، وارتفع المنسوب الشعبي في السخرية وخفة الدم، ولكن أحدا لم يعالج أصل المشكلة، والكل يهرب بسخرية سوداء من مواجهة الموقف ومحاسبة الجناة! وبعد أيام سننسى الى أن تذكرنا مصيبة أكثر فداحة في موقع آخر، فتأخذ مساحة من اهتمامنا وحرب سخريتنا الالكترونية، ثم ننساها ونعود الى نقطة الصفر للدوران في عجلة الحياة، فنحن شعب واسع الحيلة resourcefulكلما ضربونا كفا أعطيناهم الخد الآخر، وطفقنا نبحث عن وسائل أخرى للتأقلم!
ليست المبادرات الشعبية وتشكيل فرق النجدة للتعامل مع الكوارث الحل لمواجهة المشكلة واقتلاعها من جذورها؛ فهذه المبادرات على ايجابيتها وعكسها نفسية المجتمع التعاونية الطيبة وبقية الخير فينا هي معالجة جزئية وقتية للنتائج، وهي تطمين لمسؤول مقصر على الدوام أن هناك من سيرقع الخروق عنه، ويسد خلله؛ ليخرج هو من المسؤولية والذنب كالشعرة من العجين!
الناس مسؤولون بالمناصفة عن تبديل نعمة الله كفرا، وجلب البوار لديارهم، وظهور الفساد في البر والبحر.
سكتنا طويلا حتى أغرقنا بحر الفساد، وطفحت علينا مجاري التقصير وخيانة الواجب والأمانة، عسى أن لا يستمر الأردن بالغرق، ويصل في يوم ما الى بر الأمان، وترسو سفنه على ميناء الإصلاح.
كان رسول الله يخرج بنفسية احتفالية لاستقبال المطر ويقول: “هو حديث عهد بالرحمن، فأحب أن أتعرض له”، فتباً لمن أنسانا هذه النعمة، وضيق صدورنا بها، وألهانا بمعالجة تقصيره.
