في مشفى النماص قبل ربع قرن طلبني الدكتور الهندي اختصاصي أذن وأنف وحنجرة.. تعجبت! أنا جراح أوعية فما هي القصة من عالمهم؟ ثم إن الطلب جاء من قاعة العمليات وليلاً.. يا سِتِّير! نحن الجراحين يبدو أننا لن نغمض عيوننا إلا في إغفاءة القبر! فكرت في النزف غير المسيطر عليه؟ قال لا إنه طفل (شردق) وابتلع الأرز فهبط إلى الرغامي وليس البلعوم! انطلقت بالسيارة إلى المعمعة مختصرا الزمن والمسافة.
أعجب ما واجهت وكانت شركة «ويتكر» تستقطب كفاءات من وراء البحار فرأيت بروفيسورا من نيجيريا يصلح للتدريس النظري وليس للمواجهات الساخنة! كان على باب العمليات يقلب حائرا أوراق كتاب باحثا عن الحل.
والحل في حلق الغلام! طوال الطريق كنت أعصر دماغي بحثا عن الحل ثم تفتقت الفكرة لماذا لا نستخدم قسطرة فوجارتي التي نزيل بها جلطة الأوعية فنستخرج حشوة الأرز! نجحت الفكرة وتم إنقاذ الطفل ونجا من الموت.
أحيانا أتذكر حديث عكاشة ويدخل الجنة معهم سبعون ألفا بغير حساب ولا عذاب. هل سنكون نحن الجراحين من يشفع لنا ممن أنقذنا حياتهم وأعدناهم إلى عائلاتهم بسلام؟ هل سيشفع لنا هذا يوم يقوم الناس لرب العالمين؟ ثم أتذكر جو العمل الطبي ومشكلاته ومضاعفاته وأقول في نفسي الجنة شيء رائع، ولكن جل خوفي من الصغائر أن تتراكم فتصبح بحجم الجبال؛ فيرمى بنا حصب جهنم هم لها واردون.
لعل الشعور المتردد بين الأمل والخوف أفضله. ليدعُ لنا من يقرأ!
