أواخر الأسبوع المنصرم، نظمت حركة فتح مهرجانين مركزيين بذكرى انطلاقتها الثامنة والأربعين، أحدهما يوم الخميس في مدينة نابلس، وقد تم تقديمه على أنه مهرجان يمثل فتح في منطقة وسط وشمال الضفة الغربية، أما الثاني فقد نظم في مدينة غزة يوم الجمعة. لكن المفارقة أن عدد الذين شاركوا في احتفال «فتح» بذكرى انطلاقتها في نابلس لم يتجاوز بضعة آلاف، على ذمة عدد من الصحفيين الذين شاركوا في تغطية الحدث، بينما قدرت الحركة عدد الذين شاركوا في احتفال غزة بمئات الآلاف.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا بقوة: لماذا كان الحضور الجماهيري باهتاً في احتفال نابلس، مع أنه يمثل رقعة جغرافية عدد القاطنين فيها تقريباً يساوي عدد القاطنين في قطاع غزة، في حين شاركت في احتفال غزة أعداد ضخمة؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال، دعونا نتفق على منطلق يقول: إن الحضور الجماهيري في احتفال نابلس هو الذي يجب أن يكون معبراً عن حقيقة واقع حركة فتح وليس في غزة؛ لأن الجماهير الفلسطينية في نابلس، كما هي الحال في بقية مدن وبلدات ومخيمات الضفة الغربية هي التي تعيش الثمار الحقيقية لبرنامج حركة فتح، وبالتالي هم عبروا عن تقييمهم هذه الثمار عبر هذه المشاركة المتواضعة.
الضفة كمعيار للحكم على شعبية «فتح»
ما الذي يواجهه المواطن الفلسطيني في الضفة الغربية وجعله يائساً من برنامج حركة فتح وقيادتها؟ في قرى وبلدات الضفة الغربية يصعق المزارعون الفلسطينيون وهم يستيقظون وقد اكتشفوا أن ما تبقى لديهم من أراضي يتناقص شيئاً فشيئاً؛ بفعل مصادرتها من قبل جيش الاحتلال لأغراض الاستيطان، ناهيك عما يقوم به المستوطنون من مصادرات بمبادراتهم الذاتية، وبمباركة جيش وحكومة الاحتلال. وفي ظل وجود عشرات الآلاف من عناصر الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة في رام الله، تلاحق اعتداءات المستوطنين القرويين الفلسطينيين في أرجاء الضفة الغربية في بيوتهم.
وبالطبع فإن ما تعرض له الفلسطينيون في الضفة الغربية حتى الآن سيكون أمراً بسيطاً، مقارنة مع ما قد يحدث في أعقاب الانتخابات الإسرائيلية التي ستجرى في الثاني والعشرين من الشهر الجاري؛ حيث إن كل المؤشرات تدلل على أن الحكومة التي ستشكل في «إسرائيل» ستكون الأكثر تطرفاً في تاريخ الكيان الصهيوني.
ومن الواضح أن قبول فلسطين كدولة «مراقب»، لا يشعر المواطن الفلسطيني بأي من عوائده الإيجابية، بل على العكس فـ»إسرائيل» ردت على هذه الخطوة بتكثيف البناء في الضفة الغربية والقدس المحتلة. أن ما يثير حنق الفلسطينيين، وتحديداً في الضفة الغربية، أنه الرد العملي الوحيد لرئيس السلطة محمود عباس على تبجح «إسرائيل» وفجور مستوطنيها، هو توثيق التعاون الأمني مع الاحتلال وتقديم مزيد من الالتزامات بعدم السماح بانطلاق انتفاضة ثالثة.
لماذا حضور الجماهير الكبير في غزة؟
لقد جاء الحضور الجماهيري الكبير في احتفال «فتح» بذكرى انطلاقتها في غزة كردة فعل طبيعية على تغييب أعضاء وأنصار حركة فتح منذ تفجر الانقسام والحسم العسكري. فأعضاء حركة فتح وأنصارها، الذين كانوا في يوم من الأيام هم أصحاب الأمر والنهي في القطاع تطلعوا لأول فرصة ليعبروا فيها عن رباطهم التنظيمي، فكان هذا التفاني في إبراز الحشد الجماهيري على النحو الذي كان. ومن الواضح أن أعداداً كبيرة من الذين شاركوا في احتفال «فتح» أقدموا على ذلك؛ للتعبير عن احتجاجهم عما يعتبرونه ممارسات خاطئة لحكم حركة حماس، وهذا أمر متوقع وطبيعي.
في الحقيقة إن ممارسة حماس الحكم قد أسهم بالمس بشعبيتها؛ لأن الجمع بين المقاومة والحكم في مثل هذه الظروف إشكالي بكل تأكيد، لكن الفرق الوحيد بين الحكم في تجربتي حماس وفتح، أنه في تجربة الأولى، لم يصرف حماس عن خيار المقاومة، وهو ما جعل الحركة تدفع ثمناً غالياً وعزيزاً من دماء قادتها السياسيين والعسكريين، بل إن الحركة ظلت رائدة العمل المقاوم ضد الاحتلال، والطرف الذي تحسب له «إسرائيل» كل حساب. وقد انعكس هذا الواقع على تقدير الجمهور الفلسطيني للحركة؛ فعلى الرغم من سلبيات حكم حماس، وما رافقه من ممارسات خاطئة، إلا أن الجمهور الفلسطيني حفظ للحركة تضحياتها وشهداءها، وهو ما تجسد في الحشود الهائلة التي شاركت في مهرجان الحركة بانطلاقتها. في الوقت الذي عاقبت جماهير الشعب الفلسطيني «فتح» في الضفة الغربية بعدم التجاوب مع مهرجاناتها.
كثافة الحضور في مواجهة أزمة البرنامج
إن أوضح ما يدلل على أن مهرجانات فتح تدلل على أزمة الحركة أكثر مما تدلل على قوتها، هو الشعارات المؤيدة للمقاومة ضد الاحتلال التي رددها الجمهور الذي شارك في المهرجان، بل إن حركة فتح حرصت على عرض مجسمات لصواريخ المقاومة؛ في إشارة لدعمها خيار المقاومة، وضمن ذلك استخدام الصواريخ. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل هذا الاحتفاء بالمقاومة هو ما يعبر عنه برنامج «فتح» وتؤمن به قيادتها؟ وللرد على هذا السؤال تكفي العودة إلى قائمة الأوصاف التي خلعها عباس على المقاومة، وتحديداً صواريخها «العبثية»!
لقد كانت حركة فتح بحق مفجرة الثورة الفلسطينية المعاصرة، وكانت بالفعل صاحبة الطلقة الأولى، وهي التي سنت السير في هذا الطريق المشرف، وأرست هذا التراث العظيم من الفعل الممانع في مواجهة الاحتلال.
من هنا، فإنه يمكن قراءة حرص الفتحاويين في مهرجان غزة على الإشادة بالمقاومة كإعادة اعتبار لهذه المعاني، وتعبير عن الأشواق لها، وهي المعاني التي تجاهر قيادتها الرسمية بالكفر بها. وفي المقابل، فإن الاحتفال وما تضمنه من خفايا، قد دلل بشكل واضح على أن جمهور «فتح» منقسم بشأن ولائه لقيادته؛ فهناك قسم يوالي عباس، وهناك قسم معتبر يوالي محمد دحلان الذي قامت الحركة بطرده من صفوفها. وبكل تأكيد أن أعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح الذين وفدوا من الضفة الغربية، وشاركوا في المهرجان قد أصيبوا بغصة؛ لحجم التأييد الذي يحظى به دحلان في «فتح».
من الواضح أن كثافة الحضور الجماهيري في مهرجان «فتح» يعبر أكثر من أي شيء آخر عن أزمة البرنامج والقيادة التي تواجهها هذه الحركة، والتي كان لها بالفعل سبق سن العمل المقاوم والطلقة الأولى.


