يحفظ الرجال آية القوامة ويكثرون الاستشهاد بها في كل موضع، ولكن كثيرين منهم لا تجاوز الآية شفاههم أما عن معانيها وتحويلها الى واقع مُعاش، فكثير ممن يكثرون الكلام لا يحسنون الفعل والتطبيق!
فالله الخالق العدل لم يعط الرجل أفضلية ولا مكانة مطلقة، وإنما قيدها وهذبها وجعل لها أسبابها المعروفة، وجعل معها منظومة من الواجبات حتى كأنها لتصبح عبئا ثقيلا لا يقدر على القيام بها الا من خلصت نيته، وبذل جهده فاستحق عون الله، ولكن من مد رجليه كسي السيد معتقدا أن الذكورة تمنحه تفوقا و قدرة، فهذا ليس من أصحاب القوامة الحقة؛لأنه فاقد للأهلية والتمييز الذي يجعله مسؤولا محاسبا عن أداء واجباته تجاه محارمه من النساء.
هؤلاء الرجال الذين يظنون أنهم من جنس متفوق لا يكتفون بفرد العضلات وبرم الشوارب تخويفا لأهلهم من النساء، بل يريدون فرض إرادتهم على كل امرأة، وكأنهم قوامون على كل بنات حواء أينما وجدن في المجتمع، وفي أي مكان يتواجد فيه الرجال والنساء للعلم او العمل أو قضاء الحاجات، فرأيه يجب أن يكون المسموع، وكلمته الفصل، وقوله النافذ، ومركزه الأعلى، و لا يقبل أن تتقدمه امرأة ولوكانت مؤهلة؛ فالمرأة عند أمثال هؤلاء منقوصة ناقصة مهما بلغت من درجات، و كما يحفظون آية القوامة يحفظون آيات وأحاديث النساء، ويفترون على الله ورسوله صل الله عليه وسلم كذبا في اقتباسها في غير موضعها، والاستشهاد بها في غير سياقها، وتفسيرها بغير معناها!
فالقوامة بحسب أراء جمهور المفسرين جعلت امتيازا لمصلحة المرأة، لاسيفا مسلطا عليها،فقال الشوكاني في تفسير آية القوامة، أن يقوم الرجال بالذب و الدفاع عن النساء، وقال العربي القوامة أن يكون الرجل قويما و أمينا على المرأة وجاء في الحديث «إذا ولدت الجارية بعث الله ملكا يزف البشرى زفا يقول: ضعيفة خرجت من ضعيفة، القيم عليك مُعان الى يوم القيامة».
فالقوامة إنما تكون للعناية بالمرأة وحفاظا عليها، ومن يقومون بحق القوامة هم اولئك الذين يعرفون أن الحياة مع النساء تحتاج الى حبل الود لا الى سيف الند، هم الذين يقومون بأعمال القوامة و الرعاية دون ترسيم الحدود بين سيد ومسود، ورئيس ومرؤوس، وآمر ومأمور، فتنتظم حياتهم وتجري مراكبهم والكل يقدم حبا وعطفا دون أوامر وانتظار طاعة وفتح الحسابات والدفاتر في الحقوق والواجبات.
وبعض الرجال الذين يطالبون بالقوامة كحق مطلق لا يجدون في أنفسهم نخوة ليدافعوا عن امرأة يعاكسها أو يتحرش بها شاب، بعضهم لا يجد في نفسه مروءة أن يقدمها في الدور، أو يحمل معها أغراضا ثقيلة، أو يقوم لها عن كرسيه في المواصلات المزدحمة، ولهذا أصبح البعض يتساءل ولماذا القوامة إذن و النساء يطاحنَّ ليجدن موطئ قدم في الحياة، ثم يأتي رجل ليتجاوز و يستقوي ويستغل ضعف النساء ليتقدم؟!
كانت جدتي في بيتها الحاكمة بأمر الله فجدي كان يكد لأجل لبيته وأولاده ساعات طويلة، ولكنه عندما كان يعود كان يحرص على متابعة شؤون العائلة ومسؤولياتها، لم يتعامل الزوج والزوجة مع بعض بثقافة الحقوق والواجبات وما هو لي وما هو لك، بل جعلا حياتهما مسخّرة للاسرة، وأغفلا الكثير الكثير من حقوقهما الشخصية، وكان يتغافلان قصدا عن أي تقصير من احدهما لمعرفتهما بمقدار التفاني الذي يبذله الطرفان، كانت جدتي تحترم زوجها لأنه أهل للاحترام لحسن معاملته لها، قدم لها السبت فأعطته الأحد و بقية الأسبوع وخمسين عاما من الزواج، لم يسمع أولادهما أن والدهما رفع صوته مرة صارخا في وجهها!
القوامة مشروطة باستحقاتها واستحقاتها للمرأة؛ فمن قام بها استحق الإقرار له بالحق ومن لم يقم فليس له الأفضلية.
أيها الرجال القوامة لنا ولمصلحتنا نحن النساء وليست علينا لو كنتم تعلمون.


